رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

الخصم المباشر يضع منظومة الخبز أمام اختبار “السيولة”

الخبز

قبل أيام من بدء تطبيق منظومة “الخصم المباشر” الجديدة لصرف مستحقات الخبز المدعم، تتسع فجوة المواقف بين الحكومة التي تؤكد أن المنظومة تستهدف فقط إحكام الرقابة ورفع كفاءة إدارة الدعم دون أي تأثير على المواطن، وبين أصحاب المخابز الذين يرون أن التحول في آلية التمويل ينقل عبء توفير السيولة اليومية إليهم، في وقت يقولون فيه إن تكلفة الإنتاج الحالية لم تعد تغطي سوى جزء محدود من المصروفات الفعلية.

ورغم تطمينات وزارة التموين بعدم المساس بحصة المواطن أو سعر الرغيف، طرح أصحاب المحابز في المحافظات المختلفة سلسلة من التساؤلات بشأن آليات التنفيذ، ومواعيد صرف المستحقات، ومدى جاهزية المنظومة للتطبيق دون إرباك الدورة التشغيلية للمخابز، التي تنتج يوميًا ملايين الأرغفة المدعمة، وذلك في أحاديث مع “إيكونومي بلس”.

لا تغيير للمواطن.. والتعديل يقتصر على الدورة المالية

مصادر بوزارة التموين، تحدثت إلى إيكونومي بلس، أكدت أن تطبيق منظومة الخصم المباشر اعتبارًا من الأول من أغسطس المقبل لن يغير أيًا من حقوق المواطنين في منظومة الخبز المدعم، فالهدف من المنظومة الجديدة يتمثل في إعادة تنظيم الدورة المالية بين أطراف منظومة إنتاج الخبز، من مطاحن ومخابز وجهات الصرف، عبر استبدال نظام التعويضات المالية اللاحقة بآلية تعتمد على السداد النقدي المباشر، بما يحقق مزيدًا من الحوكمة، ويحد من الهدر، ويضمن تتبع حركة القمح والدقيق بصورة أكثر دقة.

وبحسب المصادر، فإن المطحن سيقوم بسداد قيمة القمح قبل استلامه، فيما يشتري المخبز الدقيق من المطحن نقدًا قبل بدء الإنتاج، على أن يتم لاحقًا تحويل مستحقاته المالية وفقًا لما يتم تسجيله إلكترونيًا من كميات الخبز المنصرفة للمواطنين عبر ماكينات صرف الخبز.

وأكدت أن المواطن لن يشعر بأي اختلاف في طريقة صرف الخبز، إذ يقتصر التغيير على آلية التسويات المالية بين الجهات المشاركة في المنظومة.

لا مساس بحصة المواطن أو سعر الرغيف

قال رئيس الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، عبدالله غراب، إن حالة القلق التي صاحبت الإعلان عن تطبيق المنظومة الجديدة لا تستند إلى أي تغييرات تمس المواطنين، مشددًا على أن جميع الضوابط الأساسية ستظل كما هي.

وأضاف غراب أن حصة الفرد ستستمر عند خمسة أرغفة يوميًا لكل فرد مقيد على بطاقة التموين، كما سيبقى وزن الرغيف 90 جرامًا وسعره 20 قرشًا دون أي زيادة.

أوضح أن التغيير الحقيقي يقتصر على تنظيم العلاقة المالية بين أطراف المنظومة، بحيث تعتمد على السداد المباشر بدلًا من آلية التعويضات التي كانت مطبقة خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن هذا التحول يستهدف رفع كفاءة إدارة المنظومة وليس تعديل قواعد حصول المواطنين على الدعم.

أشار إلى أن المخابز ستشتري الدقيق نقدًا من المطاحن، بينما ستسدد المطاحن قيمة القمح قبل استلامه، مؤكدًا أن تلك الإجراءات تنظيمية داخلية لا تؤثر على حقوق المواطنين أو انتظام صرف الخبز.

كشفت مصادر لـ”إيكونومي بلس” أن شركة سمارت فازت بإدارة منظومة السداد الإلكتروني الجديدة للخبز المدعم بعد منافسة مع ثلاث شركات أخرى، لتتولى تنفيذ عمليات التحصيل والتسويات المالية بين المخابز والمطاحن ضمن منظومة الخصم المباشر.

أضافت المصادر أن المنظومة ستعتمد على وسائل دفع إلكترونية تشمل المحافظ الإلكترونية وأجهزة نقاط البيع (POS)، بما يتيح تنفيذ عمليات السداد وتحويل المستحقات إلكترونيًا، في إطار خطة وزارة التموين للتحول الرقمي الكامل لمنظومة الخبز والحد من الاعتماد على التعاملات النقدية.

اقرأ: 4 شركات تتنافس على إدارة مدفوعات الخبز المدعم في منظومة الخصم المباشر

من أين يبدأ القلق؟

رغم التطمينات الرسمية، يرى مسؤولون بقطاع المخابز أن جوهر الأزمة لا يتعلق بالمواطن، وإنما بكيفية تمويل دورة التشغيل اليومية للمخابز بعد تطبيق النظام الجديد.

قال مسؤولون بالشعبة العامة للمخابز، إن المنظومة الحالية كانت تسمح للمخابز بالحصول على الدقيق وفق الدورة المالية المعتادة، بينما يفرض النظام الجديد توفير سيولة نقدية بصورة مسبقة لشراء الدقيق، ثم انتظار تحويل المستحقات من الدولة بعد إثبات كميات الخبز التي تم صرفها فعليًا للمواطنين.

أوضحوا أن نجاح هذه الآلية يرتبط بالكامل بسرعة تحويل المستحقات، محذرين من أن أي تأخير في السداد قد يخلق أزمة سيولة خاصة لدى المخابز الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على رأس مال تشغيلي محدود لتوفير احتياجات الإنتاج اليومية.

وأضافوا أن المخبز سيحتاج إلى إعادة شراء الدقيق بصورة يومية، وإذا لم تكن مستحقاته قد وصلت في موعدها، فقد يضطر إلى تدبير تمويل إضافي أو الاقتراض لتوفير السيولة اللازمة لاستمرار الإنتاج، وهو ما يضيف تكلفة مالية جديدة لم تكن موجودة في النظام السابق.

المخابز تطالب بضمانات قبل التنفيذ

أكد مصدر بالشعبة العامة للمخابز أن القطاع لا يعارض مبدأ تطوير منظومة الدعم أو التحول إلى نظم مالية أكثر كفاءة، لكنه يطالب بضمانات واضحة تسبق التطبيق الفعلي.

وتشمل أبرز المطالب، إعلان جدول زمني ملزم لصرف المستحقات، وتوضيح آلية السداد بصورة تفصيلية، وتوفير رصيد تشغيلي يسمح للمخابز بالانتقال إلى النظام الجديد دون تعطل، إلى جانب إشراك ممثلي القطاع في مناقشة أي تعديلات تنفيذية قبل بدء التطبيق.

اعتبر المصدر، أن نجاح أي منظومة جديدة لا يتوقف فقط على تصميمها الفني، وإنما يعتمد أيضًا على توافقها مع الواقع التشغيلي للمخابز، باعتبارها الحلقة التي تتحمل مسؤولية إنتاج وتوفير الخبز المدعم للمواطنين بشكل يومي.

مخاوف التكلفة تتجاوز “الخصم المباشر”

رغم تأكيدات وزارة التموين بأن منظومة الخصم المباشر تستهدف فقط إعادة تنظيم الدورة المالية لمنظومة الخبز، يرى مسؤولون بالشعبة العامة للمخابز وأصحاب مخابز في عدد من المحافظات أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على معالجة ملفات يعتبرونها أكثر إلحاحًا من آلية السداد نفسها، وفي مقدمتها تكلفة إنتاج الخبز، ورسوم التشغيل، والقرارات المنظمة للقطاع.

ويقول أحد أصحاب المخابز في محافظة الغربية، إن تطبيق الخصم المباشر دون إعادة احتساب التكلفة الفعلية للإنتاج قد ينقل عبئًا ماليًا إضافيًا إلى المخابز، التي تواجه بالفعل زيادات كبيرة في أجور العمال، وأسعار الطاقة، وقطع الغيار، والصيانة، والرسوم الحكومية.

الشعبة تطالب برفع تكلفة تصنيع الخبز 40%

وفي هذا الإطار، تقدمت الشعبة العامة للمخابز بالاتحاد العام للغرف التجارية، خلال الأسبوع الجاري، بدراسة جديدة إلى وزارة التموين تطالب فيها برفع تكلفة تصنيع الخبز البلدي المدعم بنحو 40%.

وقال خالد صبري، المتحدث الرسمي باسم الشعبة، إن الدراسة تقترح رفع تكلفة تصنيع شوال الدقيق زنة 100 كيلوجرام إلى نحو 850 جنيهًا، مقابل 505 جنيهات حاليًا.

وأوضح أن التكلفة المعمول بها لم تعد تعكس الواقع الفعلي، في ظل الزيادات المتلاحقة في أسعار الطاقة والخامات والأجور، مشددًا على أن استمرار العمل بالتسعير الحالي يضع ضغوطًا متزايدة على المخابز، ويهدد قدرتها على الاستمرار بنفس الكفاءة.

وأضاف أن إعادة النظر في تكلفة التصنيع أصبحت ضرورة لضمان استقرار منظومة الخبز، خاصة مع قرب بدء تطبيق منظومة الخصم المباشر التي ستتطلب من أصحاب المخابز توفير سيولة أكبر لتدبير احتياجات التشغيل اليومية.

ندفع التكلفة من جيوبنا

وقال صاحب مخبز في محافظة الدقهلية، إن التكلفة الحالية لا تعكس الزيادة الكبيرة التي شهدتها أجور العمال، ولا أسعار مستلزمات التشغيل أو أعمال الصيانة أو قطع الغيار، فضلًا عن الرسوم الحكومية التي تضاعفت خلال السنوات الأخيرة.

وأضاف أن أصحاب المخابز أصبحوا يتحملون الفارق بين التكلفة الرسمية والتكلفة الفعلية من مواردهم الخاصة للحفاظ على استمرار إنتاج الخبز، وهو ما يقلص هوامش التشغيل بصورة كبيرة.

وأكد أن المنظومة الجديدة، في حال تطبيقها دون تعديل تكلفة التصنيع، ستضاعف الضغوط المالية على القطاع، إذ سيصبح أصحاب المخابز مطالبين أيضًا بتوفير سيولة نقدية لشراء الدقيق مقدمًا.

ويشير أصحاب مخابز إلى أن الرسوم الإدارية المفروضة على القطاع ارتفعت ــ بحسب تقديراتهم ــ بما يتراوح بين 200 و300% خلال السنوات الأخيرة، بينما تتجاوز تكلفة تقنين أوضاع بعض المخابز واستخراج التراخيص 100 ألف جنيه، وهي أعباء يقولون إنها لم تدخل ضمن تكلفة تصنيع الخبز المعتمدة.

أسئلة مستمرة حول السولار والنخالة

لا تتوقف اعتراضات القطاع عند تكلفة التصنيع، إذ يطالب مسؤولو الشعبة بإعادة مراجعة عدد من المعايير الفنية التي تحكم إنتاج الخبز.

قال مسؤولون بالمخابز في عدد من المحافظات إن معدلات استهلاك السولار المعتمدة لم تُراجع رغم التغيرات التي طرأت على منظومة الإنتاج خلال السنوات الماضية.

وأوضحوا أن حصة السولار كانت محددة عندما كان وزن الرغيف 110 جرامات، ثم استمرت كما هي بعد خفض الوزن إلى 90 جرامًا، معتبرين أن معدلات التشغيل والإنتاج تغيرت، بينما ظلت مخصصات الوقود دون مراجعة.

كما أثاروا تساؤلات بشأن استمرار احتساب معدلات الردة عند المستوى نفسه، رغم تغير أوزان الرغيف وآليات الإنتاج، مطالبين بإجراء دراسة فنية جديدة تستند إلى التشغيل الفعلي داخل المخابز، بدلاً من الاعتماد على معدلات قديمة.

ويرى مسؤولو القطاع أن أي فروق تنتج عن تلك المعايير يتحملها أصحاب المخابز بصورة مباشرة، رغم أنهم لم يشاركوا في إعدادها أو مراجعتها.

مخابز الغاز.. أزمة محاسبية جديدة

من بين أكثر الملفات التي يصفها أصحاب المخابز بالحساسة، يبرز وضع المخابز العاملة بالغاز الطبيعي، والتي يقولون إنها قد تواجه تحديات مختلفة عن المخابز العاملة بالسولار عند تطبيق منظومة الخصم المباشر.

وأوضح مسؤولون بالمخابز أن مخابز السولار تحصل على فروق تصنيع مرتبطة بتكلفة الوقود، وهو ما يجعل دورة حساباتها البنكية قابلة للتسوية مع تطبيق النظام الجديد.

أما مخابز الغاز، فتدفع فروق تصنيع للحكومة منذ تطبيق سعر بيع الرغيف عند 20 قرشًا، وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية تطبيق الخصم المباشر عليها دون أن تتحول حساباتها البنكية إلى أرصدة سالبة.

ويرى أصحاب المخابز أن نجاح تطبيق المنظومة على هذه الفئة يتطلب إما تعديل تكلفة التصنيع بما يغطي الفارق المالي، أو إصدار آلية محاسبية مستقلة تراعي طبيعة عمل المخابز العاملة بالغاز.

وأكدوا أن توحيد إجراءات التطبيق بين النوعين دون معالجة هذا الاختلاف قد يخلق مشكلات تشغيلية منذ الأيام الأولى لتفعيل المنظومة.

القرار 175 يعود إلى دائرة الجدل

وفي موازاة النقاش حول الخصم المباشر، عاد القرار الوزاري رقم 175 لسنة 2024 ليحتل صدارة مطالب أصحاب المخابز الذين أشاروا إلى أنه شدد العقوبات المالية بصورة كبيرة، موضحين أن مخالفة تتعلق بتجميع شيكارة دقيق واحدة قد تترتب عليها ــ وفقًا لما ينص عليه القرار، بحسب تفسيرهم ــ غرامات تتراوح بين 20 و60 ألف جنيه، إلى جانب إحالة صاحب المخبز إلى المحاكمة الجنائية، وهو ما يعتبرونه عبئًا يفوق قدرة كثير من المخابز الصغيرة.

وقال مسؤولون بالشعبة العامة للمخابز إن القرار يتضمن عقوبات وغرامات مالية يعتبرونها شديدة القسوة، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى إغلاق المخبز أو سحب حصته التموينية حال عدم القدرة على السداد.

وأضافوا أن القطاع يطالب بإعادة النظر في القرار، والعودة مؤقتًا إلى العمل بأحكام التوجيه الوزاري رقم 30 لسنة 2017 لحين الانتهاء من مراجعة جميع البنود الفنية والمالية الواردة في القرار الحالي.

كما طالبوا بإصدار كتاب دوري لحفظ القضايا المرتبطة بتطبيق القرار إلى حين الانتهاء من مراجعة المنظومة بالكامل، مؤكدين أن الهدف ليس تعطيل الرقابة، وإنما تحقيق توازن بين الحفاظ على المال العام واستمرار المخابز في أداء دورها.

رسوم متزايدة خارج حسابات التكلفة

وأشار أصحاب المخابز إلى أن الضغوط المالية لا تقتصر على تكلفة الإنتاج، وإنما تمتد إلى الرسوم الإدارية والتنظيمية التي ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

وأوضحوا أن إجراءات تقنين أوضاع التراخيص وفق قانون المحال العامة تتطلب في بعض الحالات سداد مبالغ تتجاوز 100 ألف جنيه، إلى جانب رسوم السجل التجاري، وغرفة صناعة الحبوب، وهيئة سلامة الغذاء، والحماية المدنية، والبيئة، والأمن الصناعي، والكاميرات، ورسوم أخرى يرون أنها لا تنعكس في تكلفة تصنيع الخبز المعتمدة.

ويؤكد مسؤولو القطاع أن تلك الأعباء أصبحت تمثل جزءًا من التكلفة الفعلية لتشغيل المخابز، إلا أنها لم تؤخذ في الاعتبار عند احتساب تكلفة التصنيع التي تعمل بها المخابز حاليًا.

الاختبار الحقيقي يبدأ في أغسطس

وبين تطمينات الحكومة ومخاوف أصحاب المخابز، يبدو أن نجاح منظومة الخصم المباشر لن تحسمه القرارات أو التعليمات وحدها، وإنما قدرة النظام الجديد على العمل بكفاءة منذ اليوم الأول، وضمان تدفق الأموال بالسرعة نفسها التي يخرج بها الخبز من الأفران.

إذا نجحت الدولة في توفير دورة مالية مستقرة وسريعة، قد تتحول المنظومة الجديدة إلى خطوة مهمة نحو حوكمة أحد أكبر برامج الدعم في مصر، أما إذا اصطدمت التجربة بتأخر صرف المستحقات أو استمرار فجوة تكلفة الإنتاج، فإن الجدل الدائر اليوم قد يتحول إلى تحدٍ تشغيلي يواجه نحو 30 ألف مخبز مسئول عن توفير السلعة الغذائية الأكثر أهمية للمواطن المصري.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

الخصم المباشر يضع منظومة الخبز أمام اختبار “السيولة”

قبل أيام من بدء تطبيق منظومة "الخصم المباشر" الجديدة لصرف...

منطقة إعلانية