تحولت مدينة سبتة الإسبانية، الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب، إلى مسرح لأكبر موجة هجرة غير نظامية تشهدها منذ سنوات، بعدما تدفق إليها عشرات الآلاف من المغاربة خلال أيام قليلة، في أزمة أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا وأعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن دوافع الهجرة، ومستقبل التعاون المغربي الأوروبي في إدارة الحدود.
ووفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، فقد 67 شخصًا حياتهم أثناء محاولتهم الوصول إلى المدينة، فيما أكدت السلطات أن الأوضاع باتت تحت السيطرة وعادت إلى شبه طبيعتها.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نحو 60 ألف شخص تمكنوا من دخول سبتة، قبل أن تعلن السلطات الإسبانية لاحقًا إعادة أكثر من 48 ألفًاإلى المغرب، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي تشهدها المدينة.
تظل سبتة و مليلية نقطة حساسة في العلاقات المغربية الإسبانية، فبينما تخضع المدينتان للإدارة الإسبانية منذ قرون، يعتبرهما المغرب جزءًا من أراضيه المحتلة، وهو ما يضفي على أي أزمة هجرة فيهما أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الإنساني والأمني.
أكبر موجة منذ أزمة 2021
تعيد الأزمة الحالية إلى الأذهان أحداث مايو 2021، عندما عبر نحو 8 آلاف مهاجر الحدود إلى سبتة خلال يومين فقط، قبل أن تتعاون مدريد والرباط في إعادة معظمهم واحتواء الأزمة، التي تسببت آنذاك في توتر سياسي بين البلدين.
إلا أن حجم التدفقات الأخيرة يفوق ما شهدته المدينة قبل خمسة أعوام، بما يعكس تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع آلاف المغاربة إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى أوروبا.
البطالة تتحدى مؤشرات النمو
رغم إعلان المغرب تحقيق نمو اقتصادي بلغ 4.9% خلال عام 2025، تشير بيانات سوق العمل إلى استمرار الضغوط على المواطنين، إذ ارتفع معدل البطالة إلى 10.8% خلال الربع الأول من العام الحالي، مع وصول عدد العاطلين إلى نحو 1.3 مليون شخص.
تبدو الأزمة أكثر حدة بين الشباب، حيث بلغت البطالة للفئة العمرية بين 15 و24 عامًا نحو 29.2%، وهو ما تعتبره تقارير اقتصادية أحد أبرز العوامل المحفزة للهجرة غير النظامية.
خطاب ملكي يتحدث عن التنمية
تزامنت موجة الهجرة مع خطاب العرش الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس، والذي أكد فيه أن المملكة حققت خلال السنوات الماضية تقدمًا اقتصاديًا وتنمويًا يقوم على “رؤية استراتيجية واضحة”، هدفها تحسين مستوى معيشة المواطنين.
أشار الملك إلى أن الاقتصاد المغربي حافظ على وتيرة نمو تقارب 4.9%، مع توقع استمرارها خلال عام 2026، مدعومة بتحسن الموسم الزراعي، وتوسع الاستثمارات الصناعية والسياحية، إلى جانب تعزيز مكانة المغرب كمركز إقليمي للاستثمار.
لفت إلى أن المملكة أصبحت أكبر مُصدر للسيارات في أفريقيا بطاقة إنتاجية تقترب من مليون سيارة سنويًا،، فيما تجاوزت صادرات قطاعي السيارات والطيران 40% من إجمالي الصادرات، إضافة إلى استقبال 20 مليون سائح خلال عام 2025.
شريك أوروبي في إدارة الحدود
تمثل سبتة ومليلية الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي، ما يجعل المغرب شريكًا أساسيًا للاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة غير النظامية.
خلال الفترة بين 2021 و2024، خصص الاتحاد الأوروبي نحو 193 مليون يورو لدعم برامج إدارة الهجرة في المغرب، شملت تعزيز مراقبة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب البشر، ودعم العودة الطوعية والهجرة النظامية وحماية المهاجرين.
بلغ إجمالي الدعم الأوروبي للمغرب خلال الفترة 2021-2025 نحو 1.15 مليار يورو، إلى جانب أكثر من 1.1 مليار يورو في صورة منح وقروض لقطاعات مختلفة، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية.
مونديال 2030.. استثمارات ضخمة واختبار جديد
تأتي الأزمة بينما يستعد المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، حيث تنفذ الحكومة برنامجًا استثماريًا يتجاوز 190 مليار درهم أي ما يعادل 20 مليار دولار لتطوير البنية التحتية، بما يشمل الطرق والسكك الحديدية والمطارات والملاعب.
كما تستهدف المملكة زيادة الطاقة الفندقية بنحو 60 ألف سرير أي ما يعادل نحو 20% من الطاقة الحالية، استعدادًا لاستقبال البطولة بحسب تصريحات فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة المغربية لوكالة رويترز.
غير أن موجة الهجرة الأخيرة تبرز تحديًا آخر أمام المغرب، يتمثل في ترجمة النمو الاقتصادي والاستثمارات الضخمة إلى فرص عمل كافية، خصوصًا للشباب، بما يحد من الضغوط التي تدفع الآلاف إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر نحو أوروبا.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا