رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

قفزة النفط والدولار يرسمان مسار قرار تسعير الوقود.. خبراء: الزيادة قد تفوق 10%

أسعار - توفير

كتب – محمود الشاهد وندى عادل

يترقب الشارع المصري انعقاد الاجتماع الدوري للجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، عقب القفزة الكبيرة التي سجلتها أسعار النفط عالمياً فوق مستوى 100 دولار، بالتوازي مع تراجع سعر صرف العملة المحلية إلى قرابة 52 جنيهاً مقابل الدولار.

تتنامى الترجيحات بين المتعاملين في السوق بأن يشهد هذا الاجتماع تحريكاً جديداً في أسعار الوقود، في ظل استمرار التوتر الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة إلى مستويات لم تسجلها الأسواق منذ سنوات.

لا تقتصر التوقعات على زيادة الأسعار فقط، بل تذهب آراء الخبراء إلى أن الهامش المعتاد للجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية والمحدد بحوالي 10% زيادة أو نقصاناً، قد لا يكون كافياً هذه المرة لتغطية الفجوة الحقيقية بين تقديرات الموازنة والأسعار العالمية الفعلية، بحسب خبراء تحدثوا لـ”إيكونومي بلس”.

حددت الموازنة سعر خام برنت بنحو 75 دولاراً للبرميل في موازنة العام المالي الحالي 2026-2027.

3 عوامل تضع لجنة التسعير أمام ضغوط غير مسبوقة

في هذا الصدد، قال محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، في حديث مع “إيكونومي بلس” إن الضغوط على لجنة تسعير المواد البترولية هذه المرة أكبر من المعتاد، مستنداً إلى ثلاثة عوامل متزامنة، تشمل فجوة الموازنة الناتجة عن ارتفاع سعر النفط عالمياً فوق تقديرها المرجعي البالغ 75 دولاراً، وتراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز إلى نحو 3.6 مليار قدم مكعب يومياً، وهو ما وسّع فجوة الاستيراد ورفع الاعتماد على الطاقة المستوردة.

تابع: “هذا إلى جانب تحول لافت في خريطة الاستيراد المصرية بعد أن أصبحت مصر خامس أكبر مستورد للطاقة الروسية لأول مرة، بواردات بلغت نحو 595 مليون دولار من النفط الخام والمنتجات البترولية الروسية خلال أغسطس وحده”.

أوضح فؤاد أن حجم إنتاج مصر من الزيت الخام يظل غير معلن بشكل رسمي، على عكس بيانات الغاز، وهو ما يضيف غموضاً إضافياً على تقدير حجم الفجوة الحقيقية في الإنتاج المحلي.

في ضوء ذلك، خلص الخبير الاقتصادي إلى أن الميزان مختل من أكثر من اتجاه في آن واحد، سعر عالمي أعلى بكثير من تقديرات الموازنة، وإنتاج محلي متراجع، علاوة على فاتورة استيراد متزايدة، وتدفع هذه العوامل مجتمعة اقتصادياً في اتجاه زيادة أسعار المنتجات البترولية.

إلا أنه برأي فؤاد، “حجم الزيادة وتوقيتها سيكونان قراراً سياسياً بالمقام الأول، إذ ستوازن الحكومة بين تكلفة الدعم والضغط على الموازنة من ناحية، وأثر أي زيادة على معدلات التضخم ومستويات المعيشة من ناحية أخرى”.

يضاف إلى الضغوط العالمية عامل محلي مباشر يتمثل في استمرار ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، إذ سجل سعر البيع لدى البنك المركزي المصري 52.28 جنيه في 16 سبتمبر، مرتفعاً من 51.41 جنيه في العاشر من الشهر نفسه، في تصاعد شبه يومي خلال الأسبوع الأخير.

يأتي ذلك بالتوازي مع قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4%، بإجماع 12 صوتاً من أعضاء لجنة السوق المفتوحة، في قرار برر به الفيدرالي استمرار مواجهة تضخم لا يزال أعلى من المستهدف البالغ 2%.

يعزز رفع الفائدة الأمريكية عادة جاذبية الدولار عالمياً، ما يرفع بالتبعية كلفة استيراد النفط الخام والمنتجات البترولية المسعّرة بالعملة الأمريكية، ما يشكل ضغطاً على قرار لجنة تسعير الوقود.

فاتورة الاستيراد تقفز إلى نحو 3 مليارات دولار شهرياً

اتفق أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، مع هذا التوصيف، موضحاً أن قرار التحريك من عدمه ليس قراراً تنفرد به وزارة البترول أو لجنة التسعير، بل قرار تتخذه الدولة ككل بعد دراسة شاملة.

“اللجنة تدرس التكلفة الفعلية لكل منتج بترولي على حدة، عبر الوزن النسبي لأربعة عناصر رئيسية: كمية المدخلات من الإنتاج المحلي، وحصة الشريك الأجنبي، ونسبة الاستيراد كمادة خام، ونسبة الاستيراد كمنتج نهائي جاهز، مضافاً إليها عنصر خامس مؤثر هو سعر الصرف”، شرح كمال لـ”إيكونومي بلس”.

تابع: “فاتورة استيراد المنتجات البترولية كانت في حدود 600 إلى 650 مليون دولار شهرياً حتى مطلع العام الجاري، بينما ارتفعت حالياً لتقترب من 3 مليارات دولار شهرياً، وهو ما يعكس حداً أقصى لقدرة الدولة على استيعاب مزيد من الفارق دون تحريك الأسعار المحلية”.

مع ذلك، قال وزير البترول الأسبق إن هذا القرار، رغم ضغطه المالي الواضح، يظل محكوماً بمعادلة أوسع من مجرد الأرقام، إذ تدرسه الحكومة من زوايا اقتصادية ومجتمعية وسياسية وأمنية في آن واحد.

“قد يفضي تقييم ذو أبعاد مجتمعية وغيرها إلى تأجيل أي تحريك رغم الحاجة الاقتصادية الظاهرة له، بينما قد تمنح مصادر دخل بديلة كتحسن إيرادات السياحة أو قناة السويس، الحكومة هامشاً لتخفيف الدعم تدريجياً دون أن تشعر السوق بضغط مفاجئ”، حسب كمال.

فجوة تقترب من 35% بين الموازنة والسعر الفعلي

بُنيت تقديرات الموازنة العامة للدولة على سعر نفط عند مستوى 75 دولاراً للبرميل، غير أن خام برنت يتداول حالياً عند مستوى 104.13 دولار للبرميل، بعد أن سجل مستويات تجاوزت 107 دولارات في جلسات سابقة هذا الشهر.

هذه الأرقام تعني أن السعر الفعلي يفوق تقدير الموازنة بنحو 30 دولاراً، أي بفارق يقترب من 35% عن الرقم المرجعي المعتمد في الحسابات الحكومية.

3 متغيرات تحكم قرار لجنة تسعير الوقود

في الوقت نفسه، قال حسام عرفات، الرئيس السابق لشعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية، إن آلية عمل لجنة التسعير التلقائي تستند إلى ثلاثة متغيرات رئيسية يحدد تفاعلها معاً السعر النهائي، وهي سعر النفط العالمي، وسعر الصرف، والمصروفات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالتكرير والنقل والإدارة داخل مصر.

أضاف عرفات لـ”إيكونومي بلس” أن الفارق بين سعر البرميل المفترض في الموازنة 75 دولاراً والسعر الحالي نحو 100 دولار يمثل زيادة تقارب 35%، بينما يتراوح هامش التحريك المعتاد الذي تعمل به اللجنة عادة في حدود 10% فقط زيادة أو نقصاناً عن السعر المعروض.

“حجم هذه الفجوة يفرض على اللجنة اختياراً صعباً بين الالتزام بهامشها التقليدي البالغ 10%، وهو ما قد لا يكفي لتغطية الاحتياجات الفعلية في ظل استمرار ارتفاع سعر الصرف، أو تجاوز هذا الهامش لتغطية جزء أكبر من الفارق الحقيقي بين التكلفة والسعر الحالي”، قال الرئيس السابق لشعبة المواد البترولية باتحاد الغرف التجارية.

عند الاستناد إلى الحساب التقريبي القائم على هامش الـ10% المعتاد، فإن سعر بنزين 95 قد يرتفع من 24 جنيهاً إلى ما يقارب 27 جنيهاً للتر.

غير أن عرفات رجح أن تأتي أي زيادة تتجاوز الهامش المعتاد تحت مبرر الظروف الاستثنائية، وهو ما سبق أن استندت إليه الحكومة في آخر قرارين بزيادة أسعار المواد البترولية.

تعطل خط أنابيب “شرق – غرب” السعودي يفاقم ضغوط الإمدادات

في المقابل، تحفظ محمد ماهر، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة شركة برايم القابضة، في تحديد نسبة دقيقة للزيادة المرتقبة، موضحاً أن الأمر مرهون بقدرة الحكومة على استيعاب فرق التكلفة الحاصل.

غير أن ماهر استبعد في حديثه مع “إيكونومي بلس” أن تنقل الحكومة فرق التكلفة الكامل إلى المستهلك دفعة واحدة، مقدراً أن هذا الفارق قد يتجاوز 35% من التكلفة الإجمالية بين الموازنة والسعر العالمي للبترول، وهو ما يجعل نقله كاملاً للمواطن أمراً بالغ الصعوبة.

رجح ماهر بدلاً من ذلك اعتماد الحكومة على تدرج في تحريك الأسعار، بحيث تُمتص الفجوة تدريجياً عبر أكثر من اجتماع، ما لم يطرأ تغير جوهري على المشهد الجيوسياسي في منطقة الخليج والبحر الأحمر يخفف من حدة الضغوط الحالية.

تابع: تعطل أحد خطوط الأنابيب السعودية المعروف بخط “شرق – غرب” قبل أيام قليلة، وهو ما أثر على إمدادات الغاز والبترول التي كانت تُنقل عبر شرق البحر الأحمر بهدف التصدير.

وقد وسّع الرئيس التنفيذي لشركة برايم القابضة زاوية التحليل ليشمل الأثر الاقتصادي الأشمل لارتفاع أسعار النفط عالمياً، موضحاً أن المواد البترولية كمدخل إنتاجي لا تقتصر على وقود السيارات، بل تدخل في الصناعات المرتبطة بالكيماويات والأسمدة، وكذلك في توليد الطاقة ومحطات الكهرباء، إضافة إلى الاستخدام المباشر في وقود السيارات ووسائل النقل.

وهو ما يعني، بحسب ماهر، أن أي تحريك مقبل في أسعار المنتجات البترولية لن يقتصر أثره على فاتورة الوقود المباشرة للمواطن، بل سيمتد إلى تكلفة الإنتاج في قطاعات صناعية وزراعية متعددة.

يأتي هذا الترقب بعد نحو ستة أشهر من آخر تحريك فعلي للأسعار، الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من مارس 2026، ورفع سعر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهاً للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهاً، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيهاً، إلى جانب زيادات مماثلة في أسعار البوتاجاز وغاز تموين السيارات.

ربطت الحكومة حينها هذا التحريك بالظروف الاستثنائية الناتجة عن التطورات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين عالمياً، وهي العوامل ذاتها التي لا تزال قائمة، بل تصاعدت حدتها، مع اقتراب الاجتماع المقبل.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

قفزة النفط والدولار يرسمان مسار قرار تسعير الوقود.. خبراء: الزيادة قد تفوق 10%

كتب - محمود الشاهد وندى عادل يترقب الشارع المصري انعقاد...

منطقة إعلانية