رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

بيئة الاستثمار في مصر: حتمية توقف ماكينة الإجراءات وتفعيل ماكينة قياس الأثر

بقلم/ أ. د. أنور محمود النقيب

أستاذ السياسات الاقتصادية والتمويل كلية العلوم الإدارية – أكاديمية السادات

على مدار أكثر من عقد كامل، لم تتوقف الدولة المصرية عن البحث الدؤوب عن صيغ جديدة لتحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. وكانت المعادلة السائدة تقتضي أنه كلما أظهرت مؤشرات التدفقات الاستثمارية تباطؤًا، أو واجه القطاع الخاص عقبة ميدانية، كان رد الفعل التلقائي والجاهز هو الاستجابة السريعة بإضافة حافز جديد، أو سن تعديل تشريعي، أو إطلاق مبادرة قطاعية، أو إنشاء هيكل إداري ومؤسسي جديد، أو صياغة استراتيجية مستحدثة.

وبمرور الوقت، تراكم لدى الاقتصاد المصري رصيد ضخم من القوانين واللوائح والحوافز والبرامج الموجهة لخدمة بيئة الأعمال. غير أن النتيجة الواقعية والمعلنة لم تتطابق مع حجم هذا الجهد المتواصل؛ إذ لم تطرأ على مناخ الاستثمار النقلة التنافسية الكافية التي تمكنه من استقطاب التدفقات الأجنبية المباشرة المأمولة، بالقدر الذي يعكس حجم التيسيرات المُقرّة على الورق.

أمام هذا المشهد، ينبغي الانتقال من التناول الإجرائي التقليدي إلى طرح السؤال الأكثر مفصلية في إدارة ملف الاستثمار المصري اليوم. فالسؤال الحقيقي ليس: «ما هي الإجراءات الجديدة التي يجب اتخاذها لتشجيع الاستثمار؟»، بل: «ماذا حققت كل الإجراءات والحوافز والاستراتيجيات التي اتُخذت بالفعل خلال العقد الماضي؟ وهل ترجمت المخرجات الفعلية الأهداف الاستراتيجية التي صُممت من أجلها تلك التشريعات؟».

إن هذه النقلة في صياغة السؤال تعد تغييرًا جوهريًا في منهجية إدارة الملف الاقتصادي برمته، ونقلة نوعية تدفع نحو التحول من منطق «تثبيت النوايا بإنتاج النصوص» إلى منطق «التقييم المستمر بالنتائج والمخرجات الملموسة».

لا يعاني الاقتصاد المصري اليوم من عجز في الأفكار، أو نقص في التوصيات وأوراق السياسات المصممة لإصلاح بيئة الأعمال. فمنذ عام 2014، جرى عمل حثيث على مسار إصلاحي واسع شمل تحديث الإطار التشريعي للحوافز والضمانات، وتبسيط مسارات التأسيس والتراخيص، وتطوير منظومة الأراضي الصناعية، وإنشاء منصات الشباك الواحد، إلى جانب تطبيق حزم تيسيرية على صعيد المنظومتين الضريبية والجمركية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإقرار حوافز موجهة جغرافيًا وقطاعيًا. لقد طبقت مصر عمليًا جزءًا كبيرًا مما تفيض به الأدبيات الاقتصادية وتوصيات المؤسسات الدولية والخبرات المقارنة. لكن الفجوة القائمة تعود إلى غياب حلقة موازية ومكافئة بالغة الأهمية، وهي منظومة وطنية لقياس الأثر وتتبع النتائج.

تُظهر التجربة العملية أنه كلما ظهر تعثر في النشاط الاستثماري، يميل النهج الإداري إلى تفادي مراجعة الأسباب الجذرية، والاستعاضة عن ذلك بإضافة طبقة جديدة من الإجراءات واللجان والاستراتيجيات.

لكن ماذا لو لم تكن المشكلة يومًا في غياب النص القانوني، وإنما في إعاقة تنفيذه على الميدان؟ وماذا لو كان التشريع مناسبًا للغاية، لكن اللائحة التنفيذية أو التطبيق البيروقراطي صادر روحه؟ وماذا لو كانت الحوافز المالية سخية، لكن المستثمر يعجز عن الوصول إليها بسبب التشابكات والتعقيدات الإدارية؟ وماذا لو كانت الأراضي متوفرة، لكن آلية تخصيصها، أو تسعيرها، أو تزويدها بالمرافق والخدمات الرئيسية، هي حجر العثرة؟ في كل هذه الحالات، لن تؤدي إضافة حافز جديد أو نص إضافي إلى معالجة العلة، بل ستزيد البيئة التنظيمية تعقيدًا، وتعيد إنتاج ذات المشكلة تحت أغطية ومسميات جديدة.

لقد بات جليًا أن وجود عشرات القوانين والإجراءات والاستراتيجيات الممتازة على الورق لا يضمن بالضرورة حماية المستثمر من ذات العراقيل اليومية، ما لم تتسق الممارسات التنفيذية مع فلسفة التشريع. ومن هنا، يرتكز أي تقييم اقتصادي جاد على أربعة محاور حاسمة، هي: «المستهدف»؛ ماذا وعدت السياسة بجمعه أو تحقيقه؟ و«المنفذ»؛ ما الذي جرى تطبيقه على أرض الواقع؟ و«المتحقق»؛ ما الأثر الاقتصادي الفعلي الناجم عن ذلك؟ وصولًا إلى السؤال الأكثر أهمية، وهو: «لماذا؟».

إن تشخيص أسباب الفجوة بين المستهدف والمتحقق، وفهم لماذا نُفّذ جزء من القرارات دون غيره، ولماذا انحرف تطبيق بعض السياسات عن مساره، ولماذا لم تتحول بعض التسهيلات الاستثمارية إلى طاقات إنتاجية وقيمة مضافة وصادرات صلبة؛ هو الفارق الأساسي بين إجراء تقييم اقتصادي حقيقي، وبين الاكتفاء بإعداد تقارير متابعة إدارية صماء لا تقدم ولا تؤخر.

لا تحتاج مصر اليوم إلى تقارير روتينية تكتفي بسرد نسب إنجاز الخطط النظرية، وإنما إلى مراجعة اقتصادية شاملة لكافة مكونات منظومة تشجيع الاستثمار التي أُقرت منذ عام 2014 وحتى الآن. ولا تستهدف هذه المراجعة التراجع عن الإصلاحات، أو الهدم الشامل لما سبق، بل تسعى إلى تصنيف القرارات والحوافز القائمة ضمن أربع مجموعات عمل واضحة:

الأولى: سياسات أثبتت فاعليتها وتستحق الاستمرار والتوسع.

الثانية: إجراءات حققت نتائج جزئية وتحتاج إلى إعادة ضبط وتعديل.

الثالثة: حوافز لم تحقق أهدافها الاقتصادية وتتطلب إعادة تصميم جذريًا.

والأخيرة: تشريعات وقرارات لم تُنفّذ أصلًا على أرض الواقع، وتقتضي الوقوف بدقة على أسباب تعطيلها.

إن فكرة «قياس الأثر» هي المكون الشاغر الذي يجب أن يمثل الصلب والموجه الأساسي للسياسة الاستثمارية في المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، فإن القرار الأكثر حصافة وأهمية ليس تدشين حزمة استراتيجيات جديدة، بل إقرار «هدنة تنظيمية» مؤقتة، تتمثل في التوقف التام عن إطلاق حوافز أو إجراءات جديدة لفترة زمنية محددة، والتفرغ الكامل لتقييم واختبار كافة السياسات المعمول بها.

إن هذا التوقف لا يعكس نكوصًا عن الإصلاح أو تراجعًا عنه، بل هو التجسيد العملي للانتقال من منطق الإصلاح القائم على التمنيات إلى الإصلاح المبني على الأدلة والبراهين الاقتصادية الصلبة.

قد تكشف هذه المراجعة الشاملة أن الكثير من القوانين والقرارات لا تحتاج إلى أي تعديل تشريعي، بل إلى إزالة عقبة إدارية صغيرة، أو أن حزم حوافز معينة لم تكن هي العامل الحاسم لدى المستثمر، أو أن سياسات أخرى ناجحة بالفعل، ولكنها تفتقر إلى آليات التعريف والتوسع.

والأهم من ذلك، أن التقييم سيبرهن على أن جزءًا كبيرًا من الإشكال الراهن لا يكمن فيما اتخذته الدولة من سياسات، وإنما في عدم امتلاكها لأدوات قياس دقيقة توضح الأثر النهائي لتلك السياسات على بنيتها الاقتصادية. إن الدولة التي لا تقيس أثر قراراتها تُجبر على تجربة حلول جديدة باستمرار، دون التعلم من تجاربها، بينما تتمكن الدولة التي تعتمد قياس الأثر الميداني من رفع كفاءة إنفاقها، وحوكمة مواردها، وتقليل تكلفة الخطأ الاقتصادي.

وهنا يجب أن نتوقف. ليس لأن مصر لا تحتاج إلى إصلاح، وإنما لأنها تحتاج إلى إصلاح أكثر ذكاءً. ليس المطلوب أن نضيف طبقة جديدة فوق طبقات الإصلاح السابقة، وإنما أن نعرف أولًا ما إذا كانت الطبقات التي وضعناها قد أدت وظيفتها. وحتمية أن تصبح القواعد أكثر استقرارًا، والإجراءات أكثر سرعة، والقوانين أكثر وضوحًا، والقرارات أكثر قابلية للتنبؤ.

ولذلك، فإن مصر لا تحتاج في هذه المرحلة إلى المزيد من الإجراءات أو الحوافز، بقدر ما تحتاج إلى تقييم ما تم اتخاذه بالفعل. وأقترح إنشاء وحدة وطنية متخصصة ومحترفة لقياس أثر السياسات والبرامج الاقتصادية، تتبع رئاسة الجمهورية أو مجلس الوزراء مباشرة، وتُسمى «وحدة قياس أثر السياسات والبرامج».

وتتولى الوحدة، بصورة عملية، حصر جميع السياسات والحوافز والاستراتيجيات الاستثمارية القائمة منذ عام 2014، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة لها، وتحديد أهداف ومؤشرات قياس واضحة لكل منها، ومراجعة ما تم تنفيذه وما لم يُنفذ وأسباب ذلك، ثم قياس الأثر الفعلي ومقارنته بالمستهدف، وتقدير التكلفة والعائد الاقتصادي والمالي والاجتماعي. كما تقدم توصية واضحة بشأن كل سياسة: الاستمرار، أو التعديل، أو التوسع، أو الإلغاء.

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

بيئة الاستثمار في مصر: حتمية توقف ماكينة الإجراءات وتفعيل ماكينة قياس الأثر

بقلم/ أ. د. أنور محمود النقيب أستاذ السياسات الاقتصادية والتمويل...

منطقة إعلانية