ملفات

اقتصاد الظل الأفريقى.. عدو أم صديق؟

العمل

رواد الأعمال يفضلون التواجد فى الظل وسط غياب بيئة الإستثمار المواتية

مؤشر البطالة الأفريقى يتجاهل العاطلن عن العمل بسبب الدراسة

التهرب من االإلتزامات الضريبية وفساد البريوقراطية وراء العمل فى الخفاء

يشير الخبراء إلى القطاع غير الرسمى بأنه الشركات التى تعمل بدون تسجيل حكومى وبدون نظام محاسبى، لكن الباحثين عن العمل يختصرونه فى جملة «أكل عيش».
وبالنسبة لقارة مثل أفريقيا يوفر هذا القطاع أكثر من %90 من الوظائف ويحتضن الفئات الضعيفة كالشباب والنساء وسكان الريف ليوفر لهم مستوى الكفاف من العيش خاصة لأولئك الأفراد محدودى المهارات.
وتحمل الحكومات «المختلفة أو المتخلفة» هذا القطاع خطايا ضعف الاقتصاد والإضرار بالموارد وتفشى الفقر لمؤسسات الأعمال غير الرسمية وتطلق لأجلها حملات أمنية تطاردها كما تطارد عصابات التهريب الدولية أو أشد، فى حين أن العمل على إصلاح بيئة العمل وجذب هؤلاء إلى القطاع الرسمى سيكون أقل تكلفة وأعلى من حيث العائد بدلاً من الاستثمار فى خطط أمنية لملاحقة المارقين من المنظومة الضريبية.
وتعتبر المحسوبية، وتمييز مؤسسات الدولة ضد الشركات التى لا يرتبط مسئولوها بالحكومة من ناحية القرابة أو اتفاق المصالح أبرز أسباب تفضيل رواد الأعمال للعمل فى اقتصاد الظل بالإضافة إلى أن الاستفادة من مميزات الخدمات العامة مقابل التسجيل الرسمى والعمل فى النور لا تمثل عنصر جذب بسبب تدنى مستوى تلك الخدمات أو أسعارها المبالغ فيها.

القطاع غير الرسمى فى أفريقيا علامة مسجلة لسوء إدارة الاقتصاد

يفضل الخبراء وصف ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى بالعقود الضائعة بالنسبة لأفريقيا، حيث أثبت عقد السبعينيات من القرن الماضى وعقدى الألفية الجديدة أن القارة تتمتع بنمو اقتصادى أعلى من العديد من المناطق النامية فى العالم.
لكن الجانب السلبى الملحوظ لهذا النمو هو أن الفقر لم ينخفض كثيراً، وأن البطالة الحادة وقلة فرص العمل لا تزال سائدة، مما يؤثر فى الغالب على قطاعات السكان الأكبر والأكثر ضعفاً وهما الشباب والنساء بالإضافة إلى السكان الريفيين.
وفى تأثير هزيل، يكون ارتفاع دخل العمل عادة هو الطريقة الأساسية التى يترجم بها النمو الاقتصادى إلى ارتفاع مستويات المعيشة وانخفاض معدلات الفقر.
ويرتبط حجم القطاع الخاص الرسمى للاقتصاد بقدرة ذلك الاقتصاد على توليد وظائف لائقة، لذا فإن حجم القطاع غير الرسمى فى أفريقيا هو أحد أعراض التحول الهيكلى المرتبك.
وترتبط العوامل الكامنة وراء الأداء الضعيف لأفريقيا فى خلق فرص عمل لائقة بجانبى العرض والطلب، فمن حيث العرض، أدى الازدهار السكانى مدفوعاً بأعلى معدلات الخصوبة فى العالم إلى نمو هائل فى عدد السكان فى سن العمل ولكن يواجه الباحثون عن عمل، وخاصة الشباب منهم، عقبات خطيرة أمام قابلية توظيفهم فى معظم البلدان بسبب محدودية التدريب وضعف المهارات.
وعلى جانب الطلب، فإن النمو الاقتصادى فى أفريقيا مدفوع بالسلع الأساسية مثل الزراعة والبترول والتعدين التى يكون تحويل عائدها إلى بقية الاقتصاد ضئيلاً، ولا تزال إنتاجية الزراعة منخفضة، وصناعات التعدين والمعادن بطبيعتها كثيفة رأس المال، وتوظف القليل من العمالة المحلية ولا تترك سوى جزء هامشى من الإيرادات المتحققة.
ويعيق نمو الأنشطة الرسمية الأخرى بيئة الأعمال غير الودية تماماً مع ارتفاع التكاليف والبيروقراطية باهظة الثمن والفاسدة فى كثير من الأحيان، وبالتالى، فإن الجزء الأكبر من العمالة فى أفريقيا تقع فى قطاع الاقتصاد غير الرسمى، وهو ما يعنى توافر نوعية الوظائف ذات الدخل المنخفض وأقل بكثير مما يمكن خلقه عبر دورة النشاط التجارى.
وبحسب تقرير «حالة النمو بالقارة السمراء» أعده باحثو «معهد بروكنجز الأمريكى» فإن الاستجابة المناسبة للسياسة الاقتصادية يجب أن تتمثل فى رعاية عدد كبير من المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر فى أفريقيا، والتى تهيمن على سوق العمل، بحيث يمكنها أن تنمو وتولد وظائف أفضل بشرط أن تخرج من الظل إلى النور لتتحول إلى قطاع رسمى داخل إطار الاقتصاد الوطنى.

سوق العمل

تقع التركيبة السكانية فى القلب من إطار اتجاهات سوق العمل الأفريقى ومن المتوقع أن تزداد حصة أفريقيا من سكان العالم من حوالى %14 عام 2007، إلى %26 بحلول عام 2050 وفقاً للتوقعات السكانية العالمية لعام 2017.
وفى حين يتباطأ النمو السكانى فى العالم إلى حوالى %1 سنوياً، لا تزال أفريقيا خاصة دول جنوب الصحراء الكبرى تحقق %2.5 معدل خصوبة، ونتيجة لذلك، يتجه عدد السكان فى سن العمل فى أفريقيا إلى الصعود، على عكس القدرة على خلق وظائف فى القطاع الرسمية.
ومن المرجح أن تكون القارة السمراء مستودع القوى العاملة فى العالم بحلول عام 2050 كما يقرأ الخبراء الواقع العملى.
وتبدو البطالة فى أفريقيا للوهلة الأولى ليست كارثية أكثر من أى مكان آخر لأن المعدلات أكثر اعتدالاً مما هى عليه فى أجزاء أخرى كثيرة من العالم، وفى الواقع فإن معدل البطالة الرسمى المحسوب باستخدام طريقة منظمة العمل الدولية هو منخفض للغاية فى أفريقيا.
وعلى سبيل المثال، بلغ معدل البطالة فى دولة بنين %1.7 فقط عام 2017 ولم يتجاوز %2.2 بين عامى 2000 و2017 وفقاً لبيانات منظمة العمل الدولية لعام 2014، ولكن يجب القول إن هذه الأرقام تخفى المشكلة الأساسية.
وأشار تقرير المؤسسة الأمريكية البحثية إلى أن الوظائف فى أفريقيا منخفضة الجودة وتوجد أعداد كبيرة تتحرك فى المنطقة الفاصلة بين العمل والبطالة نظراً لعدم انتظام سوق العمل غير الرسمى ولا يوجد خط فاصل واضح بين نسبة مشاركة القوى العاملة وضعف مشاركتها فى الإنتاج مما يستدعى وجود عناية خاصة فى تفسير معدلات البطالة، وفى ضوء ذلك، فإن معدل البطالة إذا أخذ بمفرده ليس مؤشراً مناسباً لتحديد قوة أداء سوق العمل.
وبدلاً من ذلك، فإن أُخذ معدل البطالة ومعدل العمالة غير المنتظمة فى الاعتبار قد يصور واقع العمال الأفارقة بشكل أكثر واقعية، وفى هذه الحالة، فإن مجموع القوى المعطلة أعلى بكثير من %50 فى العديد من البلدان الأفريقية، وبالمثل يقترب المجموع من %90 بالنسبة لمعظم البلدان الأفريقية عند النظر فى العمال المستضعفين بما فى ذلك حساب العاملين من المنزل إلى جانب معدل البطالة.
وفى حين أن وضع التوظيف فى أفريقيا صعب للغاية بشكل عام، إلا أنه أكثر صعوبة بالنسبة إلى 3 فئات مستضعفة هى الشباب والنساء وسكان الريف، وفى الواقع، أصبح تشغيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً أولوية الآن لواضعى السياسات.
ويعانى الشباب من ضعف معدلات توظيفهم بنسبة %20 أقل عن الفئات العمرية الأكبر سناً، وهذا يتوقف على البلد، ونادراً ما يعكس انخفاض معدل البطالة الرسمية بين الشباب الواقع لأنه يستثنى الشباب الذى ترك سوق العمل لانشغاله بالدراسة ويعنى انخفاض البطالة فقط أن عدد سكان المشغولين بالتعليم أو التدريب ينمو.
وتبلغ نسبة الشباب الذين خرجوا من سوق العمل لأحد هذه الأسباب فى المتوسط حوالى %15 على المستوى العالمى و%30 بمنطقة غرب أفريقيا على سبيل المثال، وهو ما يتجاوز بكثير النسبة فى البلدان المتقدمة والبلدان متوسطة الدخل، وفى منطقة غرب أفريقيا تؤثر هذه الظاهرة على سكان الريف أكثر من سكان المدن، والنساء أكثر من الرجال.
وفى الواقع، تعانى النساء دائماً من الحرمان فى سوق العمل وتعتبر حصتها من إجمالى العمالة مقابل الأجر – هناك سيدات يعملن بدون أجر فى أنشطة خاصة بالأسرة مثل الزراعة – منخفضة جداً فى معظم البلدان.
وعلى العكس، فإن نسبة النساء فى العمالة الضعيفة وظروف العمل غير المستقرة مرتفعة للغاية وفى معظم الحالات، يشكلن أكثر من %70 من السكان فى العمالة الضعيفة كما يطلق عليها المختصون.
وفى وجه آخر من العملة الرديئة لسوق العمل الأفريقى تعانى القارة من العمالة غير المنتظمة وهى مشكلة لا تقل أهمية فسواء كانت مرئية أو غير مرئية، فإن العمالة غير المستقرة تؤثر على النساء أكثر من الرجال، ولا يزال عدم المساواة بين الجنسين فى الدخل مرتفعاً.
وأخيراً، تختلف أنماط العمالة الريفية عن المتوسطات الوطنية لكل دولة، ويعتبر العمل غير الرسمى فى الريف أكثر بكثير من النشاط الحضرى غير الرسمى ومن صور ذلك العمل غير الرسمى العمل الأسرى بل تعتبر فى الريف هى القاعدة، والعمالة المأجورة هى الاستثناء، وعلاوة على ذلك، فإن العمالة غير المنتظمة غير المرئية أكثر انتشاراً من العمالة غير المنتظمة الظاهرة فى جميع الأنشطة الريفية سواء الزراعية أو غير الزراعية.

نمو العمالة غير الرسمية

استقر فى يقين الباحثين عبر سنوات طويلة من الرصد والدراسة أن العرض والطلب غير متوازنين فى سوق العمل الأفريقى، ويؤكد تقرير «معهد بروكنجز البحثى» أنه توجد مستويات مرتفعة من البطالة والعمالة غير المنتظمة، وعدد قليل من الوظائف الرسمية عالية الجودة بمعنى أنها وظائف ذات رواتب أفضل مع عقود دائمة وحماية اجتماعية.
وتستمر هجرة اليد العاملة من المناطق الريفية إلى المدن بلا هوادة، لكن نحو قطاع الخدمات غير الرسمى منخفض الإنتاجية، بدلاً من قطاع التصنيع الرسمى الذى يستوعب فائض اليد العاملة فى المدن تقريباً.
ويعتبر الدخل غير الرسمى فى المدن الأفريقية أعلى من دخل الزراعة بهدف تلبية الاحتياجات الأسرية الأساسية من الطعام ولكنه أقل بكثير من دخل القطاع الرسمى، ويجب أن تهدف أى سياسة تشجع على التوظيف فى أفريقيا أولاً إلى تحقيق نمو شامل مستدام من شأنه أن يزيد الطلب على العمالة الرسمية.
ويوجد فى سوق العمل الأفريقيا مفارقة، فالقوى العاملة وفيرة من ناحية لكن فى الوقت نفسه تعد تكاليف العمالة مرتفعة بسبب انخفاض مستوى الإنتاجية مقارنة بدول أخرى.
وفى الواقع، تعد التكلفة النسبية لوحدة العمل فى أفريقيا أعلى بكثير منها فى بلدان متوسطة ومرتفعة الدخل، وفى عام 2010، كان معدل حساب تكاليف الوحدة النسبية للعمالة «معدل الأجر بالنسبة للإنتاجية» 6.5 نقطة فى السنغال فى حين يصل المعدل إلى 1.1 نقطة فى الصين، و0.7 نقطة فى ماليزيا، و0.8 نقطة فى المكسيك وكولومبيا.
وبالإضافة إلى تكاليف العمالة، تؤثر لوائح العمل المعقدة الصارمة مثل الإجازات القانونية والقيود المفروضة على التوظيف والفصل على سوق العمل فى أفريقيا.
وتعتبر بيئة الأعمال غير المواتية لأفريقيا، والتى تؤثر على كل من المؤسسات الكبيرة والصغيرة، الرسمية وغير الرسمية، هى السبب الرئيسى لضمور القطاع الخاص الرسمى وتوسيع القطاع غير الرسمى.
وعلى وجه الخصوص، خنق ارتفاع الضرائب وسوء التنظيم من قبل البيروقراطية منخفضة الجودة القطاع الرسمى الخاص.
وتجدر الإشارة إلى أن عدد الضرائب التى يجب على الشركة دفعها والوقت الذى تستغرقه لإعلانها ودفعها يخنق الشركات فى عنق زجاجة لا فكاك منه بل ويفوق الأذى المترتب عليه معدلات الضرائب نفسها.
كما أن المضايقات المالية تقيد الشركات الرسمية، وقد تخضع الشركة لعمليات التدقيق والتفتيش والتعديلات الضريبية المتكررة بمجرد تصنيفها على أنها خاضعة للضرائب.
ونتيجة لذلك، فإن عدداً قليلاً فقط من الشركات تتحمل نصيباً كبيراً غير متناسب من العبء الضريبى، وفى السنغال، على سبيل المثال، تدفع حوالى 15 شركة ما يصل إلى %75 من إيرادات الدولة الضريبية وفقاً لبيانات حكومة السنغال الرسمية الصادرة فى عام 2016.
وتوجد عوامل أخرى تعرقل مباشرة الأعمال الحرة الخاصة وتحد من العمالة الرسمية وتحث على التوسع فى القطاع غير الرسمى وفى مقدمتها، انخفاض معدل الحصول على الكهرباء مقارنة بالدول الآسيوية فى المراحل الاقتصادية المماثلة.
ويمكن قول الشىء نفسه عن التمويل المصرفى للاستثمار الخاص، والذى هو أقل توفراً وأكثر تكلفة فى أفريقيا مقارنة بالدول المشابهة لها فى الظروف الاقتصادية.
ويعتبر ارتفاع تكاليف النقل وعدم كفاءة النقل اللوجيستى ضمن العقبات الكبيرة أيضاً خاصة فى الأنشطة العابرة للحدود داخل القارة وخارجها مما يضعف النشاط الإقليمى الذى يعد أحد أهم روافد توسع القطاع الرسمى ومصادر الطلب على العمالة بنوعيها الماهرة وغير الماهرة.
وما لا يثير الدهشة، أن رواد الأعمال يقيمون تكاليف وفوائد كونهم يختبئون فى ظل القطاع غير الرسمى استناداً إلى بيئة الأعمال وبالتالى، كلما كان مناخ العمل أسوأ من حيث الروتين وسوء الخدمات العامة، زاد الحافز على التمتع بالظل الوافر للعمل بشكل غير رسمى.
والجانب السلبى للبقاء فى جانب القطاع غير الرسمى هو فقدان الوصول إلى الخدمات العامة والعقود الحكومية، وكذلك التعرض لعمليات القمع التى يمكن فيها تغريم أصحاب الأعمال أو إغلاق أنشطتهم أو حتى سجنهم.
ويضع تقرير المعهد الأمريكى المحسوبية ضمن أهم دوافع تأسيس مشاريع فى القطاع غير الرسمى، وعلى سبيل المثال، يشير أهل الخبرة إلى الامتيازات المهمة والعديدة التى تتمتع بها الشركات صاحبة الصلات بمؤسسات الجيش أو المسئولين الحكوميين مقارنة بالشركات غير المتصلة.
ويعد الفارق من حيث الحماية التجارية، والوصول التفضيلى إلى التمويل، وإعانات الطاقة، والمزايا الضريبية، والحواجز أمام الدخول للمشاريع هو المحفز الأساسى للشركات التى ليس لها نفوذ سياسى لكى تصبح غير رسمية لتضمن البقاء على قيد الحياة.
وعلاوة على ذلك، فإن الشركات التى تتمتع بروابط المحسوبية محمية من المنافسة مع القطاع غير الرسمى، وكل هذه الاعتبارات تتفق مع نظرية اقتصادية معروفة تنص على أن القدرة المحدودة لسلطة الدولة إلى جانب بيئة العمل السيئة هى المحرك الرئيسى للقطاع غير الرسمى وغير المتجانس.
وبالنظر إلى التعقيدات فليس من المستغرب أن يسود القطاع غير الرسمى فى كل من الناتج المحلى الإجمالى والعمالة فى الاقتصادات الأفريقية.


ووفقًا للمبادئ التوجيهية للمؤتمر الدولى السابع عشر لإحصائيى العمل لعام 2003 تشمل الوظائف غير الرسمية ما يلى:
1. الموظفون بأجر غير رسمى بدون ضمان اجتماعى أو إجازة سنوية مدفوعة أو إجازة مرضية.
2. الموظفون بأجر فى المؤسسات غير المسجلة مع أقل من 5 موظفين.
3. العاملون لحسابهم الخاص فى المؤسسات غير المسجلة التى يقل عدد موظفيها عن 5 موظفين.
4. أرباب العمل فى المؤسسات غير المسجلة التى يقل عدد موظفيها عن 5 موظفين.
5. عمالة الأسرة.
ويشير الموظفون فى الفئة 1 بشكل أساسى إلى العمال غير الرسميين فى القطاع الرسمى، ففى بعض البلدان الأفريقية، قد يكون هناك نسبة أعلى من العمال غير الرسميين فى القطاع الرسمى مقارنة بالقطاع غير الرسمى نفسه.
وفى الفئة 3، يعتبر الكثيرون ممن يعتبرون موظفين غير رسميين شركات صغيرة أو مؤسسات صغيرة، وبالتالى تحسب نسبة كبيرة من أرباب العمل كموظفين غير رسميين فى الفئة 4 لأنهم فى وحدات إنتاج غير رسمية ما يعنى أن أكثر من %80 من العمالة تعمل لحسابها الخاص فى معظم البلدان الأفريقية.
ولأن العمالة غير الرسمية تشمل العمالة غير الرسمية فى القطاع الرسمى، فإن السياسات التى تتناول العمالة غير الرسمية ستؤثر أيضاً على القطاع الرسمى.
ونظراً لأن التوظيف غير الرسمى يشمل أصحاب العمل بالإضافة إلى الموظفين، فإن القطاع غير الرسمى يقع على الحدود بين تنمية القطاع الخاص وقضايا ديناميكيات سوق العمل.
ويختلف تعريف القطاع غير الرسمى اختلافًا كبيراً من مؤلف إلى آخر وتختصر معظم الدراسات الاستقصائية فى أفريقيا روح المبادرة غير الرسمية على الشركات غير المسجلة فالنشاط غير الرسمى هو أى نشاط غير مسجل أو يفتقر إلى محاسبة كتابية رسمية، سواء كانت وظيفة أولية أو ثانوية.
لكن الدراسات الأكثر موثوقية تؤكد نتائجها الحجم الهائل للوضع غير الرسمى فى كل من الوظائف وعدد الشركات، فعلى سبيل المثال، وفقاً للفترة 2001-2003 يوجد فى داكار عاصمة السنغال ما يقدر بنحو 277 ألف شركة، ولكن فقط أقل من 10 آلاف كانوا مسجلين لدى مصلحة الضرائب والتى تعتبر رسمية، وفقاً للدليل الضريبى الرسمى لوزارة المالية السنغالية، وهذه النتيجة ليست مفاجئة فقد وجدت التعدادات العامة للشركات فى السنغال والكاميرون أن ما يقرب من %97 من الشركات كانت غير رسمية فى 2017.
وتثير الاتجاهات فى البلدان الأخرى الدهشة أكثر من ذلك كما أن تقديرات حجم القطاع غير الرسمى باستخدام المسوح الاقتصادية من المرجح أن تقلل من عدد الوظائف والشركات غير الرسمية.
وفى الواقع يعتبرون جميع الشركات الخاصة التى تحتفظ ببعض الحسابات أو المسجلة على أنها رسمية ولكن العديد من هذه الشركات المسجلة لا تزال غير رسمية وفقاً لمعايير أخرى مثل عدم دفع الضرائب أو الهيكل التنظيمى.
ولتقدير أفضل للعمالة غير الرسمية فى السنغال رصدت منظمة «جالوب» السكان فى سن العمل، الذين يقدر عددهم بـ9 ملايين، وطرحوا عدد الأشخاص فى الوظائف الرسمية من خلال نظام الضمان الاجتماعى، ووفقاً للمصادر الرسمية، لم يكن هناك سوى حوالى 300 ألف وظيفة رسمية، والتى من شأنها أن تغطى %3.8 فقط من السكان فى سن العمل، على عكس التقديرات التى غالبا ما تتجاوز %20 على غرار تقديرات من ظمة العمل الدولية.

أرباح منخفضة

يعتبر انخفاض مستويات الأرباح سمة مميزة للوظائف غير الرسمية، وفى أفريقيا الناطقة بالفرنسية، تميل رواتب ومزايا القطاع الخاص الرسمية إلى اتباع معايير القطاع العام، فى حين أن الأجور غير الرسمية غالباً ما تكون دون مستوى الكفاف.
ولا يحدث الفرق فى الأرباح بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية فقط بل يظهر التمييز أيضاً بين الأجر غير الرسمى الكبير والأجر غير الرسمى للشركات الصغير جداً.
وعلى سبيل المثال، فإن الجابون تتمتع بأعلى متوسط فى أرباح القطاع الرسمى من عينة البلاد المختلفة لكن لديها أيضاً أدنى متوسط أرباح للقطاع غير الرسمى.
وتؤكد بيانات المسوح المختلفة صحة هذه الاتجاهات، ففى بلدان كانت جزءاًَ من عينة الدراسة لـ”جالوب”، يحصل أكثر من %40 من موظفى القطاع غير الرسمى على أقل من الحد الأدنى للأجور الرسمى، وفى «واجادوجو» عاصمة بوركينا فاسو، تصل هذه النسبة إلى %61.
وتعانى بيئة العمل فى القطاع غير الرسمى من فقر مدقع، وينعكس ذلك فى تدنى جودة الأنشطة حيث تفتقر أكثر من %80 من المؤسسات غير الرسمية إلى الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والهاتف.
وتؤكد هذه الحقائق النتائج السابقة التى توصل إليها مؤلفون آخرون فيما يتعلق بظروف العمل فى القطاع غير الرسمى وبالمثل، فإن حوالى %80 من موظفى المؤسسات غير الرسميين ليس لديهم ضمان اجتماعى ولا خدمات طبية.
وتوجد مسألة مهمة أخرى تتعلق بتحليل القطاع غير الرسمى وهى تفاعلات الشركات الرسمية وغير الرسمية، وبشكل عام وغالباً ما تكون الشركات الرسمية أكبر من الشركات غير الرسمية، والتى تتخذ شكل المشاريع الصغيرة أو متناهية الصغر.
وتؤكد بعض الأبحاث أن الشركات غير الرسمية تهرب إلى حد كبير من الالتزامات الضريبية وأنظمة سوق العمل والتدخلات الحكومية الأخرى، لكن من ناحية أخرى، تقل احتمالية حصول هذه المؤسسات على الخدمات العامة مثل الماء والكهرباء كما أنها غير مؤهلة للحصول على استقطاعات ضريبة القيمة المضافة.
وبالتالى توجد مزايا تنافسية تعوض التسجيل الرسمى نظرياً، لكن فى الممارسة العملية، فإن التكاليف المنخفضة المرتبطة بالضرائب والتجنب التنظيمى تفوق عادة مزايا الوصول إلى الخدمات العامة، وذلك بسبب حقيقة أن هذه الخدمات عادة ما تكون ذات جودة منخفضة فى البلدان الأفريقية، وهذا يؤدى إلى ملعب غير مستقر فى المناطق التى تتنافس فيها الشركات الرسمية وغير الرسمية، والتى تكون دائماً فى صالح الشركات غير الرسمية.

السياسات الاقتصادية

يوجد خلاف عميق بين الاقتصاديين وواضعى السياسات حول ما إذا كان ينبغى قمع القطاع غير الرسمى أو مساعدته، كما تمت مناقشته بالتفصيل فى كثير من الدراسات التى تعتنى بقراءة المستقبل.
وينتقد العديد من الخبراء الآثار السلبية للقطاع غير الرسمى على الإطار التنظيمى، مثل التهرب الضريبى والمنافسة غير العادلة مع القطاع الرسمى، ويشير آخرون إلى دور القطاع غير الرسمى كموفر للتوظيف كملاذ أخير.
ولا تهتم العديد من هذه التحليلات بالطبيعة غير المتجانسة للقطاع غير الرسمى، وخاصة التمييز بين الشركات الكبيرة والصغيرة غير الرسمية.
ونظراً للنسبة الهائلة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة فى القارة، ومعظمها غير رسمى فى القطاع الخاص الأفريقى، يجب أن يتميز دعم الشركات الخاصة باستراتيجية متماسكة لدعم الشركات الصغيرة، وجميعها تقريباً غير رسمية.
وفى جميع أنحاء العالم، لا يبقى فى المتوسط أكثر من 3 من كل 5 شركات صغيرة ومتوسطة الحجم حتى الذكرى السنوية الثالثة لتأسيسها قبل أن تموت تماماً.
ويعتبر معدل الفشل أعلى بكثير فى غرب أفريقيا فعلى سبيل المثال أفادت دراسات العقد الحالى أن %25 فقط من الشركات غير الرسمية فى دولة بنين التى أُخذت عينات منها عام 2007 كانت لا تعمل بعد عامين من تأسيسها.
ومن بين العديد من الأسباب وراء ارتفاع معدل الفشل فى غرب أفريقيا، نرى مراراً التمويل غير الكافى، ونقص التخطيط، والإفراط فى المديونية، وسوء إدارة النقد، ونقص الخبرة، وضعف خدمة العملاء، وعدم الامتثال للوائح، وانخفاض القدرة على الابتكار.
وبهذه الطريقة، يشير معدل الفشل العالى إلى أن معظم رواد الأعمال غير الرسميين يفتقرون إلى المهارات والمواقف اللازمة لتطوير وتشغيل وتنمية أعمالهم التجارية للوصول إلى معايير المؤسسة الحديثة.
وينبغى أن تركز السياسة الناجحة لريادة الأعمال على التدريب المهنى المواكب للمهارات المطلوبة، واحتضان المؤسسات التى ترعى إنشاء الأعمال التجارية، والتمويل فى شكل قروض ومنح بمراحل مختلفة من دورة حياة الأعمال، وتقديم خدمات الدعم.
كما يجب أن يطور التدريب مهارات متقدمة، بما فى ذلك الصفات الإدارية وبالإضافة إلى المهارات الصعبة التى طورتها برامج التدريب المهنى المصممة بشكل جيد، يجب تعزيز قدرات المهارات اللينة التكميلية.
كما يعتقد بعض الباحثين أنه لكى يكون التعليم غير الرسمى فعالاً، يحتاج إلى تطوير كل من المعرفة التعليمية بالقراءة والحساب وحل المشكلات والمعرفة السلوكية المرتبطة بمجموعة من المواقف والسلوكيات المهمة لرجال الأعمال.
ومن بين هذه العوامل المثابرة، واحترام الذات والإدارة الذاتية، والتحفيز، والقدرة على التواصل بفعالية والتفاعل مع بقية المجتمع، والقدرة على المشاركة بفعالية مع شبكات الأعمال.
وفى حين يعالج التدريب المهنى لأصحاب المشاريع نقص الخبرة والكفاءة الإدارية فإنه لا يجيب على الأسئلة الدائمة المتمثلة فى التمويل وارتفاع تكاليف بدء التشغيل.
ويبدأ رواد الأعمال الجدد فى بيئة يكون فيها عدد قليل من العوامل تحت سيطرتهم، وعادة ما يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتطوير طرق كسب العملاء.
وخلال الفترة الأولية التى تحقق فيها معظم الشركات دخلاً ضئيلاً أو معدوماً، يمكن أن تؤدى التكاليف التى لا يمكن تجنبها وهى الإيجار والعمالة والتسويق ورأس المال إلى مشاكل خطيرة فى التدفق النقدى فى غياب خطة مالية كافية.
ويساعد إنشاء حاضنات الأعمال ومؤسسات تسريع الأعمال على توفير استراتيجية متدرجة للنمو.
وتوفر الحاضنات المرافق المادية والموارد الاستشارية والتطور المناسب والأدوات والمعدات للشركات الجديدة والناشئة فضلاً عن مساعدتهم على البقاء والنمو أثناء بدء التشغيل عندما تكون أكثر عرضة للخطر.
ويمكن أن يكون لحاضنات الأعمال تأثير كبير على المدى الطويل على الاقتصاد لأنها تعمل على تعزيز ثقافة تنظيم المشاريع، ودعم الأعمال التجارية الجديدة ذات الإمكانات العالية للنمو، والمساعدة فى إقامة علاقات أوثق مع رواد الأعمال الآخرين فى نفس القطاع ونقل المعرفة من مراكز البحوث والجامعات الشريكة، وبالتالى زيادة كبيرة فى معدل بقاء ونجاح الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتشكل قيود التمويل عقبة كبيرة أمام تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة فى أفريقيا ووجدت دراسة فى عام 2017، أن %15.6 فقط من الشركات الصغيرة والمتوسطة فى بنين مثلاً لديها إمكانية الوصول إلى القروض المصرفية، مقابل %59.5 من الشركات الكبيرة، والأرقام المقابلة هى %14.2 و%70.6 فى السنغال، و%17.6 و%56.9 فى النيجر.
وبالمثل، تخضع الشركات الصغيرة لمتطلبات ضمانات أكثر كلفة بكثير من الشركات الكبيرة وعلاوة على ذلك، فإن أسعار الفائدة مرتفعة فى غرب ووسط أفريقيا، وتواجه المؤسسات الصغيرة غير الرسمية معدلات مرتفعة بشكل خاص.
ولسوء الحظ، فإن معظم المشاريع التى تهدف إلى تسهيل قيود التمويل التى تثقل كاهل الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل عام والقطاع غير الرسمى بشكل خاص ليست فعالة بشكل مثير للدهشة.
وتشير بعض الدراسات إلى أن فعالية برامج التمويل الأصغر فى مناطق النزاع عن طريق تمويل المنح أكثر فعالية من القروض.
وتوصى شركة «فوكس للأبحاث» أيضاً بالتحويلات النقدية كمنح تمويلية ترد للشركات الصغيرة والمتوسطة بدلاً من الاقتراض فمن وجهة نظر التشغيل، يمكن أن تشكل القروض ذات الفائدة صفر فى رأيها بديلاً أكثر استدامة.
وتعانى أفريقيا من عدم استغلال طاقة الشباب الكبيرة والنمو السكانى العالى والنشط مع أنه قد يكون لها ميزة نسبية فى القطاعات التى تعتمد على العمالة غير الماهرة، مثل الصناعات الخفيفة بما فى ذلك الملابس والجلود سواء شركة كبيرة أو صغيرة وكذلك الأنشطة الزراعية والمنتجات البستانية والسمكية.
ومع ذلك، فإن تباطؤ بيئة الأعمال وسوء تنظيمها يقوضان الزراعة والصناعة ويثبطان الصادرات والاستثمار الأجنبى.
ويجب على أفريقيا تقليل الحواجز أمام الاستثمارات الخاصة، وخاصة فى الصناعات الزراعية والصناعات التحويلية التى تستخدم العمالة غير الماهرة على نحو مكثف، من خلال تحسين التنظيم، وتطبيق أفضل للقوانين الحالية وتوفير خدمات البنية التحتية منخفضة التكلفة ولكن عالية الجودة. ويجب على الجهات المانحة والحكومات والمستثمرين من القطاع الخاص ورجال الأعمال المحليين التعاون لتحديد ومعالجة هذه العوائق وغيرها من الحواجز أمام القدرة التنافسية.

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

ارتفاع مستويات اقتراض الدول اﻷفريقية يقلق «صندوق النقد»

شجعت الأسعار القياسية للسلع الأساسية وأسعار الفائدة العالمية المنخفضة، الدول...

مخاطر «الهاكرز» والغرامات الكبيرة تنعش التأمين السيبرانى

يمكن أن يكون انتهاك البيانات أمراً مكلفاً للغاية بالنسبة للشركات،...