رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
بنوك أخبار

“أحجار الدومينو”.. كيف تحول انهيار بنك لعاصفة احتجاجات في إيران؟

في زقاق ضيق متفرع من “البازار الكبير” في طهران، حيث كانت أصوات المطارق على النحاس تُسمع لعقود كإيقاع للحياة التجارية، ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صرخات تجار فقدوا مدخرات أعمارهم في ليلة وضحاها. لم تكن هذه المرة مجرد احتجاجات على “الحجاب” أو “الحريات العامة”، بل كانت صرخة يأس من نظام مالي انهار فوق رؤوس الجميع. الشرارة لم تأتِ من منشور على منصات التواصل الاجتماعي، بل من لافتة صغيرة وُضعت على أبواب فروع بنك “آينده” (الذي يعني اسمه باللغة الفارسية: المستقبل) كُتب عليها: “مغلق حتى إشعار آخر”.

قصة الصعود المريب: بنك “النخبة” المخلص
بدأت الحكاية في عام 2013، حين تم تأسيس بنك “آينده” عبر عملية دمج غامضة لعدة مؤسسات مالية متعثرة. كان العقل المدبر وراء هذا الكيان هو “علي أنصاري”، رجل الأعمال الذي يجسد التزاوج بين المال والسلطة في إيران. أنصاري، المقرب من الحرس الثوري ومن دوائر الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، لم يكن مجرد مصرفي، بل كان “مهندس أحلام” النظام.

عبر بنك “آينده”، تم ضخ مجمعات تجارية أسطورية مثل “إيران مول”، الذي وُصف بأنه “مدينة داخل مدينة”. كان المجمع يضم كل ما يحلم به الإيراني المحروم من السفر: صالات سينما عالمية، مكتبات مستوحاة من العصور الوسطى الأوروبية، وقاعات مرايا تضاهي قصور الأباطرة. لكن خلف هذه الجدران المرصعة بالذهب، كانت تجري واحدة من أكبر عمليات “الاحتيال المنظم” في التاريخ المصرفي الحديث.

الإقراض الذاتي: كيف سرق البنك نفسه؟
كشفت التحقيقات والتقارير المسربة، ولاحقاً تقرير “وول ستريت جورنال”، أن بنك “آينده” كان يمارس ما يُعرف بـ “الإقراض الذاتي”. وببساطة، كان البنك يأخذ ودائع المواطنين العاديين — الذين أغراهم بمعدلات فائدة هي الأعلى في البلاد — ليقوم بإقراضها لشركات تابعة لـ “علي أنصاري” نفسه أو لشركائه في النظام.

أكثر من 90% من موارد البنك كانت مستثمرة في مشاريع يملكها البنك أو يديرها المقربون منه. وعندما بدأت قيمة العقارات في الركود وتزايدت الضغوط الدولية، وجد البنك نفسه في “ثقب أسود” من الديون التي تجاوزت 5 مليارات دولار. لم يكن لدى “آينده” سيولة نقدية لإعادة أموال المودعين، فبدأ في الاقتراض من البنك المركزي الإيراني بمعدلات فائدة خيالية، مما أجبر الدولة على طباعة تريليونات الريالات لتغطية العجز.

الانفجار الكبير: حين تحولت الأرقام إلى نيران
في أواخر عام 2025، وصلت اللعبة إلى نهايتها. البنك المركزي، العاجز عن الاستمرار في ضخ النقود بلا غطاء، أعلن حل البنك ودمجه في “بنك ملي” الحكومي. كان هذا القرار بمثابة اعتراف رسمي بالإفلاس. وبدلاً من أن تؤدي عملية الدمج إلى طمأنة الناس، كانت النتيجة عكسية تماماً.

أدرك الإيرانيون أن طباعة النقود لإنقاذ “آينده” هي السبب المباشر وراء القفزة الجنونية في التضخم، الذي وصل لمستويات تاريخية (72% للمواد الغذائية). الريال الإيراني انهار بنسبة 84% أمام الدولار، مما جعل الرواتب الشهرية لا تكفي لشراء اللحم أو حتى الخبز بانتظام. عندها، لم يعد المتظاهرون يطالبون بإصلاحات سياسية فقط؛ بل بدأوا في حرق فروع البنوك، وعلى رأسها فروع “آينده”، التي أصبحت في نظرهم “مقابر لأموال الفقراء”.

السياق الجيوسياسي: الاقتصاد تحت الحصار
لم يكن انهيار البنك ليحدث في فراغ. فقد تزوجت الأزمة المصرفية مع ظروف جيوسياسية خانقة. ففي يونيو 2025، خاضت إيران حرباً استمرت 12 يوماً مع إسرائيل والولايات المتحدة، مما استنزف ما تبقى من احتياطيات النقد الأجنبي. وفي الوقت نفسه، شددت واشنطن الخناق على تدفقات الدولار القادمة من العراق، والتي كانت تُعرف بأنها “رئة التنفس” للاقتصاد الإيراني.

ومع فشل المفاوضات النووية، أدرك المستثمرون أن لا أمل في رفع العقوبات القريب. بدأ “هروب رؤوس الأموال” بشكل غير مسبوق؛ حيث قُدّر أن ما بين 10 إلى 20 مليار دولار خرجت من البلاد في غضون شهور، متوجهة نحو العملات المشفرة والعقارات في الخارج.

ميزانية “الدموع”: القشة التي قصمت الظهر
في ديسمبر 2025، وبينما كان الشارع يغلي، قدمت الحكومة الإيرانية مشروع موازنة تقشفية هي الأقسى منذ عقود. تضمنت الموازنة خفض الدعم الحكومي بنحو 10 مليارات دولار، ورفع أسعار البنزين المستورد لبيعه بأسعار السوق، وإلغاء سعر الصرف التفضيلي لاستيراد السلع الأساسية.

بالنسبة للمواطن العادي، كانت الرسالة واضحة: “الحكومة لديها أموال لإنقاذ بنك فاسد يملكه أحد الأثرياء، لكنها لا تملك أموالاً لدعم رغيف الخبز”. هذا الشعور بالظلم الصارخ حول الاحتجاجات من مسيرات متفرقة إلى انتفاضة عارمة شملت أكثر من 80 مدينة إيرانية.

“آينده” كرمز للانهيار الهيكلي
يرى المحللون الاقتصاديون أن “آينده” ليس إلا قمة جبل الجليد. هناك ما لا يقل عن 5 بنوك أخرى، من بينها بنك “سبه” الضخم، تعاني من نفس المرض: قروض متعثرة، إقراض للمقربين، واعتماد كلي على طباعة النقود. النظام المصرفي الإيراني، الذي تسيطر الدولة على 70% منه، أصبح هيكلاً متآكلاً لا يمكن إصلاحه دون تغييرات جذرية في بنية النظام نفسه.

انقطاع الكهرباء الذي اجتاح البلاد بسبب نقص الغاز منذ عام 2024، ونقص المياه الحاد، زادا من قناعة الشعب بأن الدولة تفقد قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية. وحين استقال محافظ البنك المركزي وحل محله “عبد الناصر همتي”، كان الوقت قد فات. لم تعد تغييرات الوجوه كافية لإطفاء نيران الغضب في الشوارع.

نهاية عصر “التحايل”
اليوم، تقف إيران عند مفترق طرق تاريخي. الاحتجاجات التي فجرها انهيار بنك “آينده” كشفت أن الاقتصاد هو الكعب الأخيل للنظام الإيراني. لم تعد أساليب “الالتفاف على العقوبات” والاعتماد على “أسطول الظل” لتصدير النفط تكفي لسد العجز الهائل.

بنك آينده

تأسس بنك آينده بين عامي 2013 و2014 بعد اندماج ثلاث مؤسسات ائتمانية كانت مثقلة بالديون المعدومة. ونما ليصبح أحد أكبر البنوك التجارية الخاصة في الجمهورية الإسلامية، مع مئات الفروع المنتشرة في أنحاء البلاد، بينما قدم قروضاً ضخمة لتطوير مشاريع باهظة مثل إيران مول.

في عام 2019، العام الذي افتُتح فيه المركز رسمياً، خضع البنك للإشراف المباشر للبنك المركزي وسط تكهنات— نفى البنك صحتها— حول احتمالية تعرضه للانهيار.

واضطر البنك للتخلي عن حصته في شركة تطوير إيران مول والتوقف عن المشاركة في المشاريع البنية التحتية المكلفة، بعد أن كان قد أقرض الشركة 7.6 مليار دولار بحلول عام 2017، وهو العام نفسه الذي حصل فيه البنك على جائزة «أفضل تحول مصرفي في الشرق الأوسط» ضمن جوائز يوروموني.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

تسارع التضخم السنوي في السعودية إلى 2.1% خلال ديسمبر 2025

 تسارع معدل التضخم السنوي في السعودية خلال ديسمبر الماضي إلى...

منطقة إعلانية