كتب – سليم حسن
تمضي الحكومة نحو إعادة هيكلة منظومة الخبز المدعم عبر التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، في خطوة تؤكد أنها تستهدف ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه والقضاء على الهدر داخل النظام الحالي.
يثير التحول للدعم النقدي للخبر تساؤلات لدى الكثيرين بشأن آليات عمل المنظومة الجديدة، في عدم الإفصاح عن بيانات رسمية تخص هذا الشأن حتى الآن.
هدف التحول للدعم النقدي
تستند الحكومة في دفاعها عن التحول المرتقب في منظومة الدعم إلى تقديرات تشير إلى وجود ممارسات هدر وفساد داخل منظومة الخبز الحالية بقيمة تصل إلى 30 مليار جنيه سنويًا، مؤكدة أن الهدف ليس خفض الإنفاق على الدعم بقدر ما هو إعادة توجيهه للمستحقين الفعليين.
بحسب بيانات وزارة التموين، فإن مخصصات دعم الخبز في موازنة مصر للعام المالي الجاري تصل إلى 124 مليار جنيه لتوفير احتياجات نحو 68 مليون مواطن، بمتوسط إنتاج يومي يتراوح بين 250 و270 مليون رغيف، بسعر ثابت يبلغ 20 قرشًا للرغيف، وفق المنظومة العينية القائمة.
برلماني: هدر الخبر نتيجة سوء الإدارة
“الهدر يأتي نتيجة سوء الإدارة وبعض الممارسات غير المشروعة، وهو ما يستدعي تطوير آليات الدعم لضمان الاستفادة الحقيقية للمواطنين المستحقين، بينما تعمل المنظومة الجديدة على توجيه الدعم عبر أدوات تضمن استخدامه في الأغراض المخصصة له”، قال وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، أيمن محسب، لـ”إيكونومي بلس”.
حرية الاختيار بدلًا من الرغيف الموحد
حتى الآن، فإن التصور الحكومي يدور حول أن المواطن قد لا يكون ملزمًا بشراء رغيف خبز بوزن محدد كما هو الحال حاليًا، إذ سيحصل على قيمة دعم نقدية تتيح له حرية الاختيار بين أوزان مختلفة من الخبز، على أن تحدد وزارة التموين أسعار كل وزن بصورة منفصلة، بحسب ما قاله مصدر في قطاع المخابز لـ”إيكونومي بلس”.
“ترى الحكومة أن هذا النظام يمنح المواطن مرونة أكبر في الاستفادة من الدعم، ويقرب منظومة الخبز من آليات السوق دون التخلي عن الحماية الاجتماعية للفئات المستحقة”، وفق المصدر.
بعض المخابز لا تلتزم بالوزن الرسمي
جزء كبير من الدعم المخصص للمواطنين لا يصل إليهم فعليًا بسبب مخالفات في الإنتاج، إذ أوضح مصدر في هيئة السلع التموينية في حديثه مع “إيكونومي بلس”، أن تقديرات الدراسات التي أجرتها وزارة التموين إلى أن نسبة كبيرة من المخابز لا تلتزم بالوزن الرسمي الحالي للرغيف المدعم البالغ 90 جرامًا، وتقوم بإنتاجه بأوزان تتراوح بين 60 و70 جرامًا على أقصى تقدير.
بحسب الرؤية الحكومية، فإن الفارق في الوزن يمثل دعمًا مفقودًا كان من المفترض أن يصل إلى المواطن، لكنه يتحول إلى مكاسب إضافية لبعض المخابز.
دمج الخبز مع السلع التموينية
يرى مؤيدو المنظومة الجديدة أنها تمنح المواطنين مرونة أكبر في الاستفادة من الدعم.
في هذا قال المتحدث باسم الشعبة العامة للمخابز، خالد صبري، إن المنظومة الجديدة تحمل العديد من المزايا المقترحة للمواطنين والمخابز على حد سواء، بما يسهم في تطوير منظومة الدعم وتحسين العائد الاقتصادي للمخابز.
“من أبرز المزايا المقترحة دمج الخبز مع السلع الاستراتيجية الأخرى، بما يتيح للمواطن حرية الاختيار بين أوجه الإنفاق المختلفة وفقًا لاحتياجاته الفعلية”، وفق حديث صبري مع “إيكونومي بلس”.
تابع: “تطوير آلية الاستفادة من نقاط الخبز يعد أحد أبرز التغييرات المنتظرة، إذ إن المواطن يحصل حاليًا عند توفير 100 رغيف خبز على سلع بقيمة 10 جنيهات فقط، بينما ستتيح المنظومة الجديدة الحصول على نقاط بقيمة 150 جنيهًا يمكن استخدامها في شراء سلع تموينية أخرى”.
150 قرشًا مقابل الرغيف غير المستخدم
توافقت تصريحات متحدث شعبة المخابز مع ما أعلنه وزير التموين، شريف فاروق، بشأن ربط منظومة الخبز المدعم بنظام الدعم النقدي الذي تستهدف الدولة تطبيقه خلال العام المالي المقبل.
أكد فاروق أن الهدف من التحول إلى الدعم النقدي ليس خفض قيمة الدعم، وإنما ضمان وصوله إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة.
أوضح الوزير أن المواطن الذي لا يحتاج إلى كامل حصته الشهرية البالغة 150 رغيفًا سيحصل على 150 قرشًا مقابل كل رغيف غير مستخدم، بما يمكنه من توجيه قيمة الدعم إلى شراء سلع أخرى يحتاجها، بدلًا من الوضع الحالي الذي يحصل فيه بعض المواطنين على نحو 10 قروش فقط للرغيف عند بيعه للمخبز أو للغير.
أرباح المخابز ترتفع ثلاثة أضعاف
فيما يتعلق بالمخابز، قال صبري إن هامش ربح المخبز في المنظومة الجديدة سيرتفع إلى 30 جنيهًا لكل جوال دقيق زنة 50 كيلو جرامًا، مقابل نحو 9 جنيهات فقط في المنظومة الحالية.
أضاف أن النظام المقترح يتضمن أيضًا فك الارتباط بين المخابز ومطاحن محددة، بما يمنح أصحاب المخابز حرية أكبر في اختيار مصادر الدقيق وفقًا لاحتياجاتهم التشغيلية.
كما أشار صبري إلى أن تطبيق المنظومة سيبدأ بمحافظة بورسعيد، على أن يجري التوسع تدريجيًا بإضافة خمس محافظات كل أسبوعين حتى تعميمها على مستوى الجمهورية.
الوزن الجديد للرغيف يشعل الجدل
في المقابل، تواجه المنظومة الجديدة انتقادات من أصحاب المخابز الذين يرون أن خفض وزن الرغيف إلى 70 جرامًا قد ينعكس على جودته وشكله ومدى قبول المواطنين له.
أوضح أحمد عبدالرازق، صاحب مخبز في محافظة الجيزة، أن الاتجاه إلى خفض الوزن مقارنة بالوزن الحالي البالغ 90 جرامًا خطوة تحتاج إلى دراسات أوسع قبل التطبيق، خاصة أن الجودة تتأثر بشكل كبير كلما انخفض الوزن.
“صنعة الرغيف هتتغير بشكل كبير، علشان كدا المخابز اللي بتعمل الرغيف 60 جرام عيشها مش بيكون كويس والمستهلك مش بيفضله في الاستخدام”، قال عبدالرازق لـ”إيكونومي بلس”.
تقليص وزن رغيف الخبز على مر السنين
يأتي الجدل الحالي في ظل سلسلة من التخفيضات المتتالية لأوزان الخبز المدعم خلال السنوات الماضية.
في عام 2014 خُفض وزن الرغيف إلى 110 جرامات بدلًا من 130 جرامًا، ثم جرى خفضه مجددًا في أغسطس 2020 إلى 90 جرامًا، قبل أن ترفع الحكومة سعره في 2024 إلى 20 قرشًا مع الإبقاء على الوزن نفسه.
أما في المنظومة الجديدة، فتشير التصريحات الرسمية إلى إمكانية خفض الوزن إلى 70 جرامًا، ما يعني أن الرغيف سيكون قد فقد نحو 60 جرامًا من وزنه مقارنة بما كان عليه قبل أكثر من عقد.
برأي أصحاب هذا الطرح أن الحفاظ على جودة الرغيف وقيمته الغذائية قد يكون أكثر أهمية من خفض وزنه بشكل متكرر.
رئيس شعبة مخابز الشرقية، حسن المحمدي، قال إن الخبز الحر المنتج من دقيق استخراج 72% يباع حاليًا بنحو 1.5 جنيه للرغيف بوزن يتراوح بين 60 و70 جرامًا، ولا يمكن أن تتم معاملته معاملة الخبز المدعم المنتج من دقيق استخراج 87.5% الذي تعمل به وزارة التموين.
السولار والنخالة.. أسئلة بلا إجابات
لا تقتصر تحفظات القطاع على وزن الرغيف فقط، إذ يطالب أصحاب المخابز بمراجعة معدلات استهلاك السولار ونسب النخالة المعتمدة في حساب تكلفة الإنتاج.
في حديث مع “إيكونومي بلس” أشار مصدر في شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية، إلى أن حصص السولار المقررة لإنتاج الدقيق لم تشهد تعديلات تتناسب مع التغيرات التي طرأت على أوزان الأرغفة ومعدلات الإنتاج، كما أن معدلات النخالة ما زالت ثابتة رغم تغير المنظومة أكثر من مرة خلال السنوات الماضية.
“عندما كان وزن الرغيف 110 جرامات كانت الحصة 5.5 لتر سولار لشيكارة الدقيق، وظلت كمية السولار كما هي مع انخفاض الوزن إلى 90 جرامًا، ولا توجد مبررات اقتصادية توضح كيف تتغير معدلات الإنتاج بينما معدلات التشغيل ثابتة”، أوضح المصدر.
أضاف أن معدلات استهلاك النخالة عندما كان وزن الرغيف 110 جرامات حددتها وزارة التموين عند 1.50 كيلوجرام لشيكارة الدقيق، وما تزال عند النسبة نفسها رغم اختلاف الأوزان ومعدلات الإنتاج.
برأي المصدر “كلما انخفض وزن الرغيف ارتفعت معدلات استهلاك الأدوات التشغيلية للمخابز، ومنها السولار والنخالة وتكاليف الأيدي العاملة التي وصلت إلى 500 و600 جنيه يومية للعامل الواحد (الخباز)”.
يرى أصحاب المخابز أن هذه الفجوات تخلق أعباء مالية إضافية لا تنعكس في حسابات التكلفة الرسمية التي تعمل من خلالها وزارة التموين لمحاسبة المخابز.
الخصم المباشر يفتح باب التساؤلات
لا تتوقف تحفظات أصحاب المخابز عند تكلفة الإنتاج فقط، إذ تثير آلية الخصم المباشر المقترحة ضمن المنظومة الجديدة العديد من التساؤلات التشغيلية التي لم تتضح إجاباتها بعد.
قال عاملون في القطاع إن النظام الجديد قد يفرض على أصحاب المخابز أعباء إدارية ومالية إضافية، تبدأ من متابعة الحسابات البنكية والتحويلات المالية بشكل يومي، وصولًا إلى توريد قيمة الدقيق للمطاحن والتعامل مع الإجراءات المصرفية المختلفة.
في ضوء ذلك، تساءل أصحاب المخابز عن كيفية التعامل مع الأعطال الفنية التي قد تصيب الأنظمة البنكية أو شبكات التحويل الإلكتروني، وما إذا كانت تلك الظروف قد تؤدي إلى تأخير صرف الدقيق أو تعطيل الإنتاج أو توقيع غرامات على المخابز رغم خروجها عن إرادتهم.
كما طالب القطاع بتوضيح آليات التعامل مع أخطاء الأرصدة أو تأخر التحويلات البنكية، وتحديد الجهة المسؤولة عن التدخل السريع لحل المشكلات الطارئة، بما يضمن استمرار إنتاج الخبز وعدم تحميل أصحاب المخابز خسائر إضافية.
برأي ممثلي المخابز، المنظومة الجديدة قد تفرض تكاليف تشغيلية أخرى مرتبطة برسوم السحب والتحويلات البنكية أو الحاجة إلى تعيين موظفين لمتابعة المعاملات المالية، مطالبين بإعلان التفاصيل التنفيذية كاملة قبل بدء التطبيق.
مطالب بإعادة النظر في القرارات المنظمة للقطاع
في ظل هذه التحفظات، طالب أصحاب المخابز بإعادة النظر في القرارات الإدارية المنظمة لعمل المخابز، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التموينية ضد أصحاب المخابز بشأن المخالفات التي رصدتها إدارات التموين خلال الفترة الماضية.
تشمل المطالب أيضًا إعادة تقييم تكلفة إنتاج الرغيف، ومراجعة رسوم شركة “سمارت” المسؤولة عن المنظومة، وإنشاء مراكز صيانة داخل الإدارات التموينية، إلى جانب إعادة النظر في الرسوم الإدارية التي يقول القطاع إنها تضاعف الأعباء التشغيلية على المخابز.
اختبار صعب قبل التطبيق
بينما تراهن الحكومة على أن الدعم النقدي سيغلق منافذ الهدر ويوجه الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة، يرى أصحاب المخابز أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على معالجة الملفات الفنية المرتبطة بالتكلفة والإنتاج وجودة الرغيف.
تبقى الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد شكل المنظومة النهائية، وما إذا كانت الدولة ستتمكن من تحقيق معادلة صعبة تجمع بين ترشيد الدعم والحفاظ على جودة الخبز واستقرار صناعة المخابز، كما أن الحكومة لم تعلن بعد أي تفاصيل بشأن قيمة الدعم الذي ستقدمه لكل مواطن في عملية التحول إلى الدعم النقدي الكامل بدلًا من منظومة الدعم العيني القائمة.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا