رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

الرأسمالية العقارية والإنتاجية: حتمية انتقال مصر من “استخلاص” الثروة إلى “صناعتها”

بقلم: انور محمود النقيب

أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل – كلية العلوم الادارية-اكاديمية السادات

شهد الاقتصاد المصري خلال العقود الأخيرة تنامياً ملحوظاً ومتسارعاً في حجم الاستثمارات الموجهة للقطاع العقاري، مدفوعاً بحزمة من العوامل الهيكلية والظروف الاقتصادية، أبرزها الرغبة الجماعية في البحث عن ملاذ آمن لحفظ قيمة الثروة، والتحوط ضد معدلات التضخم المرتفعة، وتقلبات أسعار الصرف المتكررة، بالتزامن مع محدودية البدائل الاستثمارية الأخرى التي تمتلك نفس الجاذبية أو العائد الاقتصادي قصير الأجل. ونتيجة لهذه الديناميكية، استحوذ القطاع العقاري على النصيب الأكبر من المدخرات ورؤوس الأموال المحلية والأجنبية، ليصبح الاستثمار في الأراضي والوحدات السكنية والتجارية مقدمًا على القطاعات الحيوية الأخرى كالصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا. ولا تكمن المشكلة الحقيقية هنا في ارتفاع أسعار العقارات كظاهرة معزولة، بل في الأثر العميق الذي تحدثه على هيكل تخصيص رأس المال، وتتحقق هذه الظاهرة عندما تتدفق الموارد المالية والمدخرات الوطنية نحو أصول جامدة تحقق مكاسب رأسمالية ناتجة عن إعادة التقييم والمضاربة، بدلاً من توجيهها إلى قطاعات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية ومستدامة للاقتصاد الكلي.

ولفهم أبعاد هذه القضية، من الضروري التمييز بين نموذجين مختلفين لتراكم رأس المال يحددان طبيعة المسار التنموي لأي دولة، النموذج الأول هو الرأسمالية الإنتاجية التي تقوم على توجيه رؤوس الأموال نحو الأنشطة الحقيقية والملموسة مثل التصنيع، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات اللوجستية، حيث يكون الهدف الأساسي هنا هو خلق قيمة مضافة جديدة من خلال رفع كفاءة الإنتاج، وتطوير السلع والخدمات، وفتح أسواق تصديرية جديدة، والاعتماد على الابتكار وبناء أصول إنتاجية تولد عوائد مستدامة على المدى الطويل. أما النموذج الثاني فهو الرأسمالية العقارية والريعية التي تعتمد على تملك الأصول الثابتة والأراضي، وإعادة بيعها أو تأجيرها للاستفادة من نمو قيمتها السوقية المدفوع بآليات العرض والطلب أو التضخم، ورغم أهمية هذا القطاع في تشييد البنية العمرانية، إلا أن اعتماده المفرط يتحول إلى آلية لـاستخلاص الثروة بدلاً من صناعتها، حيث يتم نقل الأموال بين الأطراف دون إضافة طاقة إنتاجية مادية جديدة للاقتصاد.

ويظهر الفرق الجوهري في أن صناعة الثروة ترتكز على الابتكار، والتوسع الإنتاجي، وريادة الأعمال عبر أصول متجددة كالمصانع والبرمجيات والمزارع، مما يسهم في خلق وظائف مستدامة وعالية المهارة، وتوليد تدفقات من النقد الأجنبي عبر تعزيز الصادرات وإحلال الواردات، وتحقيق عوائد تراكمية طويلة الأجل مبنية على الإنتاجية الكلية. في المقابل، تشير فلسفة استخلاص الثروة إلى المضاربة والوساطة وإعادة بيع الأصول الثابتة منخفضة السيولة كالعقارات والأراضي، لتحقيق مكاسب رأسمالية سريعة مبنية على تضخم الأسعار، مما يولد وظائف مؤقتة ترتبط بفترة التشييد والبناء فقط، ويوجه الاقتصاد نحو قطاع غير قابل للتصدير في الأغلب لا يسهم مباشرة في دعم احتياطيات الدولة من العملة الصعبة.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الأنشطة المرتبطة بالعقارات والتشييد والبناء تستحوذ حالياً على جزء كبير من النشاط الاقتصادي المصري، وفي المقابل، لا تزال مساهمة القطاعات الإنتاجية الرئيسية كالصناعة والزراعة والسياحة والاتصالات دون الطموحات المستهدفة لتحقيق قفزة تنموية. بالتأكيد، لا يمكن القول بأن القطاع العقاري يمثل عبئاً مطلقاً على الدولة، فهو محرك رئيسي لأكثر من 90 صناعة مغذية مثل الحديد، والأسمنت، ومواد البناء، والخدمات الهندسية، فضلاً عن دوره الحتمي في استيعاب الزيادة السكانية وتطوير البنية التحتية، ولكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول العقار من وسيلة داعمة للنشاط الاقتصادي إلى وعاء رئيسي لاكتناز الثروة والمضاربة، حيث يحمل استمرار هذا الاختلال الهيكلي مخاطر اقتصادية جسيمة، من أبرزها تجميد السيولة الوطنية وتحول جانب ضخم من المدخرات العائلية والمؤسسية إلى أصول عقارية منخفضة السيولة، مما يحرم القطاعات الأخرى من التمويل الاستثماري المباشر.

كما يؤدي هذا الاختلال إلى الضغط على ميزان المدفوعات نظراً لأن القطاع العقاري قطاع غير قابل للتصدير بطبيعته الأساسية، وبالتالي فهو يستهلك موارد من النقد الأجنبي عبر استيراد بعض مدخلات الإنتاج والآلات دون أن يولد تدفقات مستدامة من العملة الصعبة، مما يفاقم العجز التجاري. بالإضافة إلى ذلك، تسبب المضاربة في الأراضي رفع أسعارها بشكل قياسي، مما يرفع التكلفة الاستثمارية المبدئية لأي مشروع صناعي أو زراعي جديد، ويقلل بالتالي من القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق الدولية، فضلاً عن ميل النظام المالي والائتماني إلى تفضيل التمويل العقاري المضمون بالأصول الثابتة، مما يؤدي إلى ظاهرة المزاحمة الائتمانية على حساب المشروعات الصناعية والتكنولوجية الناشئة التي تحتاج إلى تمويل مرن.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تقليص دور القطاع العقاري أو محاربته، إذ يظل هذا القطاع أحد المحركات المهمة للنشاط الاقتصادي والتشغيل، وإنما في إعادة توظيفه ليصبح رافعة لدعم الاقتصاد الإنتاجي. ويتطلب ذلك بناء روابط عضوية بين التنمية العمرانية والتنمية الصناعية واللوجستية، بحيث تتحول المدن الجديدة إلى مراكز للإنتاج والتصدير وليس مجرد تجمعات سكنية أو مخازن للثروة العقارية. كما يستلزم الأمر توجيه جزء من الفوائض المتحققة في القطاع العقاري نحو الاستثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، من خلال آليات تمويلية وضريبية مبتكرة تشجع انتقال رأس المال من الأنشطة الريعية إلى الأنشطة المنتجة.

إن علاج ظاهرة سوء تخصيص رأس المال يتطلب إعادة التوازن الهيكلي وتصحيح منظومة الحوافز الاقتصادية لضمان توجيه رؤوس الأموال نحو الأنشطة الأكثر كفاءة وقدرة على توليد القيمة المضافة، ويتطلب هذا التحول تطبيق حزمة من السياسات والإجراءات المتكاملة، أولها إعادة هيكلة الحوافز والمزايا الاستثمارية من خلال صياغة سياسة مالية وضريبية مرنة تمنح إعفاءات وحوافز تفضيلية للمشروعات الموجهة نحو التصنيع المحلي، وتعميق المكون المحلي، والتصدير، فعندما يصبح العائد الصافي على الاستثمار الصناعي أو التكنولوجي أعلى وأقل مخاطرة من العائد المحقق من المضاربة العقارية، سيتجه رأس المال تلقائياً نحو الإنتاج.

وثاني هذه السياسات هو إصلاح منظومة سوق الأراضي والعقارات عبر وضع آليات تحد من المضاربات قصيرة الأجل على الأراضي غير المرفقة، وفرض رسوم تصاعدية على الأراضي الفضاء لضمان سرعة تنميتها، مع تشجيع الاستخدام والإنتاج الحقيقي للعقارات مثل العقار الصناعي والإداري والسياحي بدلاً من النمط السكني الموجه للاكتناز فقط. ويأتي ثالثاً ضرورة تحسين وتثبيت بيئة الاستثمار الكلي، لأن رأس المال الإنتاجي بطبيعته طويل الأجل ويحتاج إلى بيئة مستقرة، ويتطلب ذلك خفض معدلات التضخم، وضمان استقرار السياسات المالية والنقدية، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتسريع منظومة التقاضي التجاري، وتسهيل تملك الأراضي الصناعية بأسعار تنافسية أو عبر نظام حق الانتفاع. ورابعاً، يبرز دور تبني استراتيجية وطنية شاملة للإنتاجية، حيث إن التحول من اقتصاد الأصول إلى اقتصاد الإنتاجية يتطلب تكامل الخطط الحكومية لدعم البحث العلمي والابتكار، ورفع كفاءة رأس المال البشري من خلال التعليم الفني والتدريب المهني، وربط مخرجات التعليم بمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة والتكنولوجيا المتقدمة.

إن حتمية انتقال مصر من نموذج قائم على استخلاص الثروة إلى نموذج يرتكز على صناعتها تتجاوز مجرد الرغبة في إعادة توزيع الاستثمارات بين القطاعات، بل إنها تحول جذري في فلسفة التنمية المستدامة، فالثروات الحقيقية للأمم لا تُقاس بتضخم قيم أصولها العقارية أو الارتفاع الاسمي لأسعار الأراضي، بل تُقاس بمدى قدرتها على التطوير التكنولوجي، وزيادة كمية وجودة السلع المنتجة، وامتلاك حصص سوقية في التجارة العالمية، وعندما تنجح الدولة في صياغة بيئة اقتصادية تُكافئ المنتج والمبتكر وتجعل من الإنتاج النشاط الأكثر ربحية وجاذبية، سيعيد السوق تخصيص موارده ذاتياً، وعندها فقط، سيتحرك الاقتصاد المصري نحو نمو حقيقي، مستدام، وقائم على المعرفة والإنتاجية والتصدير والتشغيل الكامل.

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

 

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

“الإمارات دبي الوطني” يجري محادثات للاستحواذ على أعمال “إتش إس بي سي” في تركيا

يجري "بنك الإمارات دبي الوطني" حاليا محادثات للاستحواذ على أعمال...

منطقة إعلانية