رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

مبادرة «القرية المنتجة»… دعم المشروعات القائمة هو نقطة الانطلاق

بقلم: أسامة رشاد

رئيس مجلس إدارة شركة وادي المراعي للتنمية والاستثمار

الشريك الإداري لشركة جوبيتر كومز للاستشارات الإعلامية وعلاقات المستثمرين

مستشار مجلس الإدارة – إيكونومي بلس

تمثل مبادرة «القرية المنتجة» التي أطلقها وزير الصناعة واحدة من أهم المبادرات التنموية الهادفة إلى تحويل القرى المصرية إلى مراكز إنتاج مستدامة، تسهم في زيادة الناتج المحلي، وتعزيز التصنيع المحلي، وخلق فرص عمل، خاصة للشباب والمرأة الريفية. كما تتوافق المبادرة مع توجهات الدولة نحو تحقيق التنمية المتوازنة وتمكين الريف اقتصاديًا، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية.

ورغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها لن يتحقق من خلال إنشاء مشروعات جديدة فقط، بل يبدأ من الاستثمار في المشروعات الإنتاجية القائمة بالفعل داخل القرى، فهي تمتلك الخبرات التراكمية، والعمالة المدربة، والأسواق، وقاعدة عملاء قائمة، إلا أنها تحتاج إلى إزالة العقبات التي تحد من قدرتها على النمو والتوسع.

وقد أثبتت التجارب الدولية أن دعم المشروعات القائمة كان دائمًا نقطة الانطلاق نحو بناء اقتصادات ريفية قوية ومستدامة.

دروس من التجارب الدولية

في اليابان، أُطلقت مبادرة «قرية واحدة.. منتج واحد» (OVOP) عام 1979 بهدف تشجيع كل قرية على تطوير منتج تمتلك فيه ميزة تنافسية. ولم تعتمد التجربة على الدعم المالي وحده، بل ركزت على تحسين الجودة، وتطوير التصميم، وبناء العلامة التجارية، وفتح الأسواق أمام المنتجات المحلية. ولم تمض سنوات حتى أصبحت التجربة نموذجًا عالميًا انتقل إلى عشرات الدول.

أما الصين، فقد طورت مفهومًا مشابهًا من خلال بناء هوية إنتاجية لكل قرية، وربط الصناعات الريفية بالتجارة الإلكترونية وسلاسل الإمداد، مع توفير التمويل، والتدريب، والبنية التحتية، وهو ما ساهم في رفع دخول الأسر الريفية وتحويل العديد من القرى إلى مراكز إنتاج تنافسية.

وفي إيطاليا، لم يكن نجاح الصناعات المحلية قائمًا على المصانع العملاقة، وإنما على التجمعات الصناعية المتخصصة (Industrial Districts)، حيث تركزت مئات الورش والمشروعات الصغيرة داخل مدن وقرى متخصصة في صناعة بعينها، مثل الأثاث أو الأحذية أو المنسوجات. ولنا في مدينة دمياط مثال مصري ناجح يمكن البناء عليه، حيث نجحت المدينة في تكوين تجمع صناعي متكامل لصناعة الأثاث. وقد ساهم توفير الدعم الفني، والتمويلي، والتكنولوجي لهذه التجمعات في جعل منتجاتها من أشهر الصادرات الإيطالية.

أما ألمانيا، فقد اعتمدت على الشركات الصغيرة والمتوسطة المعروفة باسم Mittelstand، والتي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وقد نجحت هذه الشركات، المنتشرة في المدن الصغيرة والمناطق الريفية، في التحول إلى شركات عالمية بفضل الاهتمام بالتدريب، والابتكار، والتمويل، والتصدير، وليس بسبب حجمها الكبير.

وفي الهند، اعتمدت الحكومة على إنشاء تجمعات صناعية للمشروعات الصغيرة، مع توفير مراكز مشتركة للتدريب، وفحص الجودة، والتعبئة والتغليف، والتسويق، وهو ما خفض تكاليف الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للمشروعات الريفية.

وتجمع هذه التجارب على حقيقة واحدة، وهي أن تنمية الريف لا تبدأ بإنشاء مصانع جديدة فقط، وإنما بتطوير المشروعات القائمة، وربطها بمنظومة متكاملة من التمويل، والتكنولوجيا، والتدريب، والتسويق.

ماذا يمكن أن تستفيد مصر؟

يمكن لمبادرة «القرية المنتجة» أن تحقق نتائج سريعة إذا أعطت أولوية لدعم المشروعات العاملة بالفعل داخل القرى، باعتبارها نواة جاهزة للنمو، وذلك من خلال إزالة المعوقات التي تواجهها، وتشجيعها على التوسع، وإضافة خطوط إنتاج جديدة، وزيادة فرص العمل.

ومن هنا تبرز أهمية إنشاء وحدة متخصصة لتنمية المشروعات الريفية داخل هيئة التنمية الصناعية، مع وجود ممثلين لها في مختلف المحافظات، لتكون جهة تنسيق موحدة بين المستثمرين والوزارات والهيئات المختلفة.

ويمكن أن تتولى هذه الوحدة المهام التالية:

تسهيل إجراءات التراخيص وتقنين الأوضاع.

التنسيق مع الجهات الحكومية المختلفة لتقليل الوقت والإجراءات.

استقبال شكاوى أصحاب المشروعات والعمل على حلها.

تقديم الاستشارات الفنية والإدارية.

متابعة تنفيذ المبادرة وقياس نتائجها بصورة دورية.

إن وجود جهة واحدة مسؤولة عن التنسيق سيقلل من تضارب الاختصاصات، ويمنح المستثمرين الثقة في التعامل مع الجهات الحكومية، كما سيساعد على سرعة اتخاذ القرار، وتحقيق التكامل بين مختلف الجهات المعنية.

التمويل… مفتاح التوسع

تحتاج المشروعات الريفية إلى آليات تمويل ميسرة تمكنها من التوسع وزيادة الإنتاج، لذلك من الضروري منحها أولوية ضمن برامج تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مع تخصيص حوافز إضافية للمشروعات التي تضيف خطوط إنتاج جديدة، أو ترفع معدلات التشغيل، أو تعتمد على الخامات المحلية، أو تتجه إلى التصدير.

كما يمكن منح حوافز ضريبية أو تخفيضات في رسوم التراخيص للمشروعات التي تحقق توسعات إنتاجية فعلية داخل القرى، بما يشجع أصحابها على ضخ المزيد من الاستثمارات وزيادة الطاقة الإنتاجية.

إنشاء مراكز خدمات صناعية مشتركة

ومن الدروس المهمة المستفادة من التجربتين الألمانية والهندية أن المشروعات الصغيرة لا تحتاج دائمًا إلى امتلاك جميع الإمكانات داخل كل مصنع، بل يمكن إنشاء مراكز خدمات صناعية مشتركة تخدم مجموعة من القرى، وتضم معامل لاختبار الجودة، ووحدات للتعبئة والتغليف، ومراكز للتصميم الصناعي، والاستشارات الهندسية، والتسويق، والتصدير، والتحول الرقمي.

وسيسهم ذلك في خفض تكلفة الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، وزيادة القدرة التنافسية للمشروعات الريفية، دون تحميلها استثمارات كبيرة لا تتناسب مع حجمها.

الاستثمار في العنصر البشري

لا يمكن تحقيق تنمية صناعية مستدامة دون الاستثمار في الإنسان. ولذلك يجب أن يصاحب المبادرة برنامج وطني لتدريب العمالة، بالتعاون مع الجامعات، والتعليم الفني، ومراكز التدريب المهني، والغرف الصناعية، بما يضمن توفير كوادر قادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة، وتحسين جودة الإنتاج، ورفع كفاءة التشغيل.

العاملون في الجهات الحكومية

كما ينبغي تدريب العاملين في الجهات الحكومية التي تتعامل مع المشروعات الريفية، بما يعزز ثقافة التيسير وخدمة المستثمر، ويراعي خصوصية البيئة الريفية، بدلاً من تطبيق إجراءات قد تكون مناسبة للمناطق الصناعية التقليدية فقط. وتعد هذه القضية إحدى أبرز العقبات التي تواجه مشروعات الريف في مصر، إذ إن عدم إدراك طبيعة هذه المشروعات قد يؤدي، بقصد أو دون قصد، إلى تعقيد الإجراءات وإبطاء عمليات التوسع والاستثمار.

دور أعضاء مجلسي النواب والشيوخ

وفي ظل عدم وجود مجالس محلية خلال الفترة الراهنة، والتي من المتوقع إجراء الاستحقاقات الخاصة بها قريبًا، فإن جزءًا من هذا الدور يقع، ولو بصورة مؤقتة، على عاتق أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، من خلال دعم جهود تيسير الإجراءات الحكومية، وخلق قنوات اتصال مباشرة مع مختلف الجهات التنفيذية في المحافظات والمراكز، والعمل على نقل مقترحات أصحاب المشروعات، والمساهمة في حل المشكلات التي تواجههم، بما يحقق سرعة الاستجابة ويعزز مناخ الاستثمار في الريف.

القطاع الخاص… شريك في التنمية

إن نجاح المبادرة يتطلب مشاركة حقيقية من القطاع الخاص، ليس فقط كممول، وإنما كشريك في الاستثمار، والإنتاج، والتسويق، ونقل التكنولوجيا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال توفير حوافز استثمارية مستقرة، وتشجيع الشركات الكبرى على إقامة شراكات مع المشروعات الريفية، أو تطبيق نظم التصنيع التعاقدي، بما يضمن أسواقًا مستقرة للمشروعات الصغيرة، ويرفع جودة منتجاتها، ويزيد من قدرتها على المنافسة.

التسويق وبناء الهوية الإنتاجية للقرى

أحد أهم الدروس المستفادة من التجارب الدولية هو أن نجاح الإنتاج يعتمد على نجاح التسويق. لذلك يمكن تخصيص هوية إنتاجية لكل قرية وفقًا لميزتها النسبية، مع إنشاء منصة إلكترونية موحدة لعرض منتجات القرى، وتنظيم معارض داخلية وخارجية، وربط المشروعات الريفية بسلاسل الإمداد الخاصة بالمصانع والشركات الكبرى، بما يسهم في فتح أسواق جديدة، وتعزيز القيمة المضافة للمنتج المصري.

حوار دائم مع أصحاب المشروعات

ولضمان استدامة المبادرة، ينبغي عقد لقاءات دورية مع أصحاب المشروعات في المحافظات المختلفة، للاستماع إلى التحديات التي تواجههم، وتقييم السياسات المطبقة، وإجراء التعديلات اللازمة وفقًا للواقع العملي، بما يضمن استمرار التطوير، وتحقيق أفضل النتائج، وترسيخ مبدأ الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.

ختامًا

لقد أثبتت تجارب اليابان، والصين، وإيطاليا، وألمانيا، والهند أن نجاح التنمية الريفية لا يتحقق بزيادة عدد المشروعات فقط، وإنما بخلق بيئة متكاملة تسمح للمشروعات القائمة بالنمو، والابتكار، والتوسع.

ومن هنا، فإن تحسين مناخ العمل للمشروعات الإنتاجية القائمة سيكون أفضل سفير لمبادرة «القرية المنتجة»، وسيبعث برسالة ثقة إلى القطاع الخاص، تشجعه على ضخ المزيد من الاستثمارات داخل الريف المصري.

تنفيذ توجيهات القيادة السياسية بتمكين الريف المصري اقتصاديًا

إن تمكين المشروعات القائمة، وتوفير التمويل، والتدريب، والبنية التحتية، والخدمات المشتركة، والتسويق، سيحول القرى المصرية إلى مراكز إنتاج حقيقية، ويجعل مبادرة «القرية المنتجة» نموذجًا وطنيًا ناجحًا لتحقيق التنمية المستدامة، وتنفيذ توجيهات القيادة السياسية بتمكين الريف المصري اقتصاديًا، وتعزيز مساهمته في بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية.

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

“المركزي” و”الخارجية” يطلقان مبادرة “حدث بياناتك في مصر” للمصريين بالخارج

أطلق البنك المركزي المصري، ووزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج،...

منطقة إعلانية