رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

مصر في قلب خريطة الاستثمار الجديدة في أفريقيا

بقلم د. أشرف عبد العال

اقتصادي أول في الأمم المتحدة

لم تعد قصة الاستثمار في أفريقيا تُروى كما كانت قبل سنوات، ومصر تقف اليوم في قلب هذا التحول.

اعتادت التحليلات الدولية عند تناول الاستثمار في أفريقيا أن تبدأ من التحديات؛ من الديون، وتقلبات أسعار السلع، والمخاطر الجيوسياسية، وضعف البنية الأساسية في بعض الدول. لكن الأرقام التي يكشفها تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن الأونكتاد ترسم صورة أكثر تعقيداً، وربما أكثر تفاؤلاً.

فقد استقطبت أفريقيا نحو 70 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025. صحيح أن هذا الرقم يقل عن المستوى الاستثنائي الذي سجلته القارة في عام 2024، لكنه يظل ثالث أعلى مستوى في تاريخها، ويتجاوز متوسط تدفقات الاستثمار خلال الخمسة عشر عاماً الماضية بنحو الثلث.

وهنا تكمن أهمية قراءة الأرقام في سياقها الصحيح.

فالانخفاض الظاهر لا يعكس تراجعاً في اهتمام المستثمرين بالقارة، وإنما يعود في المقام الأول إلى غياب عدد محدود من الصفقات العملاقة التي رفعت مستويات الاستثمار بصورة استثنائية في الأعوام السابقة، وعلى رأسها مشروع رأس الحكمة في مصر عام 2024، إلى جانب بعض العمليات الكبيرة التي شهدتها دول أخرى في سنوات سابقة.

وعند استبعاد هذه العمليات غير المتكررة، يتبين أن أفريقيا سجلت في عام 2025 أحد أقوى أعوامها الاستثمارية منذ عقود، وهو ما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في القارة، ويؤكد أن الزخم الاستثماري أصبح أكثر رسوخاً مما توحي به الأرقام الأولية.

مصر… نقطة الارتكاز في أفريقيا

وسط هذا المشهد، احتفظت مصر بموقعها كأكبر دولة أفريقية استقبالاً للاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2025، بإجمالي تدفقات بلغت نحو 15 مليار دولار.

ورغم أن الرقم يقل كثيراً عن المستوى القياسي المسجل في عام 2024، فإن المقارنة المباشرة لا تعكس الواقع بدقة. فلو استُبعدت صفقة رأس الحكمة الاستثنائية، لبلغت تدفقات الاستثمار إلى مصر في عام 2024 نحو 12 مليار دولار فقط، ما يعني أن التدفقات الأساسية ارتفعت فعلياً بنحو 25 في المائة خلال عام 2025.

كما ساهمت الاستثمارات المسجلة في الربع الأخير من العام، بعد إتمام صفقة العلمين – الروم (Alam El-Roum) البالغة قيمتها 3.5 مليار دولار، في دعم هذا الأداء.

ولم يقتصر دور مصر على تصدر القارة في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بل جاءت أيضاً في صدارة أفريقيا من حيث قيمة مشروعات الاستثمار الجديدة (Greenfield Investment)، وكذلك تمويل مشروعات البنية الأساسية (International Project Finance)، مدفوعة باستثمارات في الطاقة والبنية التحتية والصناعة.

هذه المؤشرات تؤكد أن مصر لم تعد تعتمد على مشروع استثنائي واحد، وإنما أصبحت تستقطب عدداً أكبر من المشروعات عبر قطاعات متنوعة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الاستثمار وتنوعها.

شمال أفريقيا… محرك النمو

ولم يكن هذا الأداء معزولاً عن محيطه الإقليمي.

فقد جاء شمال أفريقيا كأسرع أقاليم القارة نمواً في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، بقيادة مصر، بينما سجل المغرب أيضاً نتائج قوية.

وفي الوقت نفسه، شهدت شرق أفريقيا نمواً في كينيا وأوغندا، وحققت غرب أفريقيا مكاسب في نيجيريا وكوت ديفوار، بينما استفادت موزمبيق وأنغولا في الجنوب من تحسن تدفقات الاستثمار، وبرزت غينيا في وسط أفريقيا كواحدة من أسرع الوجهات الاستثمارية نمواً بفضل الاستثمارات التعدينية.

ورغم هذا التحسن، لا تزال الاستثمارات متركزة في عدد محدود من الدول والقطاعات، وهو ما يظل أحد أبرز التحديات أمام القارة.

خريطة جديدة للمستثمرين

وربما يكون التحول الأكثر أهمية الذي يرصده التقرير هو تغير هوية المستثمرين أنفسهم.

فعلى مدى عقود، كانت أوروبا وأمريكا الشمالية تمثلان المصدر الرئيسي للاستثمار في أفريقيا. ولا تزال الشركات الأوروبية تحتفظ بحصة كبيرة من رصيد الاستثمار المتراكم في القارة، لكن المشروعات الجديدة خلال السنوات الأخيرة تكشف عن واقع مختلف.

فالمستثمرون القادمون من دول الخليج، والصين، والهند، وعدد متزايد من الاقتصادات الآسيوية أصبحوا يلعبون دوراً متصاعداً في رسم خريطة الاستثمار الأفريقية.

وتأتي دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة المستثمرين الجدد، من خلال استثمارات واسعة في الطاقة المتجددة والموانئ والخدمات اللوجستية والعقارات والبنية الأساسية.

وفي المقابل، تواصل الصين تعزيز استثماراتها في التصنيع والمعادن الاستراتيجية، بينما توسع الهند حضورها في الصناعات الدوائية والخدمات الرقمية والإنتاج الصناعي.

ولا يمثل هذا التحول مجرد تغير في مصادر التمويل، بل يعكس إعادة تشكيل أوسع لحركة رأس المال العالمي في ظل المنافسة المتزايدة على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد والطاقة النظيفة والبنية الرقمية.

مصر والتحول العالمي للطاقة

وتبرز مصر بصورة خاصة في قلب هذا التحول.

فالعالم يتجه بسرعة نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، وهو ما يعيد رسم خريطة الاستثمار العالمية.

وفي هذا السياق، تمتلك أفريقيا مقومات تؤهلها لتكون لاعباً رئيسياً، سواء بما تملكه من معادن استراتيجية أو بما تتمتع به من إمكانات هائلة في الطاقة المتجددة.

وتعد مصر، إلى جانب المغرب وموريتانيا وناميبيا، من الدول التي تستعد لتكون مركزاً إقليمياً لإنتاج الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وصادرات الطاقة النظيفة، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية خلال السنوات المقبلة.

الفرصة الحقيقية

لكن الأرقام وحدها لا تصنع التنمية.

فاستقطاب الاستثمار ليس الهدف النهائي، وإنما بدايته.

ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة الدول على تحويل هذه التدفقات إلى مصانع جديدة، وسلاسل توريد محلية، وفرص عمل ذات قيمة مضافة، ونقل للتكنولوجيا، وتعميق للقاعدة الصناعية.

فالنجاح لن يقاس بحجم الأموال التي تدخل الاقتصاد، وإنما بما تتركه من أثر طويل الأجل على الإنتاجية، والتنافسية، والتنويع الاقتصادي.

ولهذا، فإن السؤال الذي يطرحه تقرير الاستثمار العالمي اليوم لم يعد: هل تستطيع أفريقيا جذب الاستثمار؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع مصر، ومعها أفريقيا، أن تحول هذا الزخم الاستثماري إلى تنمية اقتصادية مستدامة، وقاعدة إنتاجية أكثر قوة، وازدهار يمتد أثره إلى الأجيال القادمة؟

 

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

 

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

بلومبرج: تأخيرات في التحويلات البنكية بين السعودية والإمارات تثير قلق الشركات

شهدت التحويلات البنكية من السعودية إلى الإمارات خلال الأسابيع الأخيرة...

منطقة إعلانية