رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

رفع أسعار الوقود: قرار اقتصاد كلي يتجاوز المالية العامة للحكومة

بقلم: أ.د. أنور محمود النقيب

أستاذ السياسات الاقتصادية والتمويل كلية العلوم الإدارية – أكاديمية السادات

عندما تتخذ الحكومات قرارًا برفع أسعار الوقود، فإن أول ما يلفت الانتباه هو مقدار الزيادة في سعر اللتر، ثم مقدار الوفر المباشر الذي يمكن أن يتحقق في فاتورة دعم المنتجات البترولية ضمن الموازنة العامة. غير أن هذا الحساب المالي لا يمثل سوى الجزء الظاهر من الصورة. فالسؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط: كم ستوفر الدولة من رفع أسعار الوقود؟ وإنما: كم سيبقى من هذا الوفر بعد أن تنتقل صدمة الأسعار عبر الاقتصاد، فتتحول إلى تضخم، ثم إلى تآكل في الدخل الحقيقي، وتراجع في الاستهلاك والإنتاج والاستثمار، قبل أن يعود جزء من هذه التكلفة مرة أخرى إلى الموازنة العامة؟

وتزداد خصوصية الحالة المصرية عندما تحدث هذه العملية في سوق لا تتوافر فيه دائمًا آليات تسعير تنافسي قادرة على ضمان أن تكون الزيادة في السعر النهائي متناسبة مع الزيادة الفعلية في التكلفة. فغياب قواعد واضحة وفعالة تحكم سلوك المنتجين والتجار في تمرير التكاليف يفتح المجال أمام انتقال الصدمة بصورة غير متجانسة، وقد يجعل بعض الأسعار ترتفع بأكثر من مقدار الزيادة في التكلفة التي يفترض أن تبررها. وبذلك، لا تصبح المشكلة في ارتفاع سعر الوقود وحده، وإنما في كيفية انتقال هذا الارتفاع داخل الاقتصاد، ومن يتحمل تكلفته النهائية.

هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته «اقتصاد الموجة الارتدادية»؛ فرفع أسعار الوقود لا يمثل مجرد تعديل لسعر سلعة، وإنما يطلق سلسلة مترابطة من التأثيرات التي تتفاعل مع بنية السوق وآليات التسعير، فتنتقل من تكلفة الوقود إلى التضخم، ومن التضخم إلى الدخل الحقيقي والاستهلاك والإنتاج والاستثمار، ثم تعود آثارها في النهاية إلى المالية العامة. ولذلك، فإن تقييم القرار في الحالة المصرية لا ينبغي أن يقوم على الوفر المالي المباشر وحده، وإنما على صافي الأثر الاقتصادي والمالي بعد احتساب كامل سلسلة انتقال الصدمة داخل السوق.

توفر مصر تجربة حديثة يمكن من خلالها فهم هذه المسألة بصورة عملية. ففي مارس 2026، رفعت الحكومة أسعار معظم المنتجات البترولية؛ فارتفع سعر البنزين 95 من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، والبنزين 92 من 19 إلى 22 جنيهًا، والبنزين 80 من 18 إلى 21 جنيهًا، والسولار من 18 إلى 21 جنيهًا، كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي للسيارات وأنابيب البوتاجاز. وجاءت هذه الإجراءات في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية وضغوط الحرب الإقليمية، وفي إطار إجراءات هدفت إلى الحد من الانحراف عن مستويات استرداد التكلفة وتقليص الأعباء المالية المرتبطة بالطاقة.

لكن أهمية القرار لا تكمن في مقدار ارتفاع سعر اللتر وحده، وإنما فيما يحدث بعد ذلك داخل الاقتصاد. فقد قدر صندوق النقد الدولي أن إجراءات مارس، التي شملت أسعار الكهرباء والنقل والوقود، كان لها أثر تضخمي ساهم بنحو 30% من التضخم الشهري في مارس 2026، بينما بلغت مساهمة آثار الجولة الثانية لهذه الإجراءات نحو 17% من التضخم الشهري في أبريل. وهذه الأرقام لا تعني أن أسعار الوقود ارتفعت بنسبة 30% أو 17%، وإنما تعني أن هذه الإجراءات مجتمعة كانت مسؤولة عن هذه النسب من التغير الشهري في مستوى الأسعار.

وتكشف هذه النتيجة أن أثر القرار لا ينتهي لحظة تعديل السعر. فالوقود، وخاصة السولار، ليس سلعة استهلاكية يمكن عزلها عن بقية الاقتصاد، وإنما مُدخل إنتاج ونقل يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الزراعة والصناعة والتشييد والتجارة والخدمات واللوجستيات. فعندما ترتفع تكلفة الوقود، ترتفع تكلفة نقل الغذاء والمواد الخام والسلع النهائية، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الجملة والتجزئة، وصولًا إلى المستهلك. ولذلك، فإن قياس أثر رفع أسعار الوقود من خلال وزنه المباشر فقط في سلة المستهلكين يقلل من حجم الأثر الحقيقي؛ لأن جانبًا مهمًا من الصدمة ينتقل عبر تكلفة المدخلات في القطاعات الأخرى.

من هنا تصبح جداول المدخلات والمخرجات (Input-Output) أداة أساسية لقياس الأثر الكلي. فبدلًا من السؤال عن نسبة الوقود في سلة أسعار المستهلك، ينبغي معرفة مقدار الطاقة والنقل المستخدم في إنتاج كل سلعة وخدمة، وكيف تنتقل زيادة التكلفة من قطاع إلى آخر. فإذا ارتفعت تكلفة النقل، فما أثر ذلك على الزراعة؟ وكيف ينتقل إلى أسعار الغذاء؟ وما أثره على الصناعة والتجارة والتشييد والخدمات؟ هذه العلاقات تسمح بتقدير «معامل انتقال صدمة الوقود إلى التضخم» للاقتصاد المصري، بدلًا من الاكتفاء بتقدير الأثر المباشر.

لا تتوقف العملية عند الجولة الأولى من انتقال التكلفة. فالمنتجون قد يحاولون تمرير جزء من ارتفاع تكاليف التشغيل إلى المستهلك، والتجار يعيدون تسعير منتجاتهم، ومقدمو الخدمات يعيدون حساب تكاليف النقل والطاقة، ثم تبدأ الأسر في التعامل مع تراجع قوتها الشرائية. وهنا تتشكل الجولة الثانية من التضخم، التي قد تكون أكثر أهمية من الأثر الأول. وما رصده صندوق النقد في مصر خلال مارس وأبريل 2026 يؤكد أن انتقال أثر الإجراءات من الجولة الأولى إلى الثانية ليس مجرد افتراض نظري، وإنما ظاهرة يمكن قياسها بالفعل.

لكن الأخطر من ارتفاع الأسعار هو أثرها على الدخل الحقيقي. فقد لا ينخفض الدخل النقدي للمواطن بعد رفع أسعار الوقود، وقد يحصل بعض العاملين على زيادات اسمية في الأجور، لكن ذلك لا يعني الحفاظ على مستوى المعيشة. فإذا ارتفع الدخل الاسمي بنسبة 10%، بينما ارتفعت الأسعار بنسبة 15%، تكون القوة الشرائية قد انخفضت فعليًا. ولذلك، فإن التقييم الصحيح لا ينبغي أن يتوقف عند مقدار ارتفاع التضخم، بل يجب أن يسأل: كم فقدت الأسرة من قدرتها على شراء السلع والخدمات؟

وهنا تظهر أهمية النظر إلى الأسر بحسب شرائح الدخل؛ لأن متوسط التضخم لا يعبر بالضرورة عن التضخم الذي تواجهه كل أسرة. فالأسر منخفضة الدخل تنفق نسبة أكبر من مواردها على الغذاء والنقل والاحتياجات الأساسية، بينما يختلف هيكل إنفاق الأسر الأعلى دخلًا. وبالتالي، فإن الزيادة نفسها في أسعار الوقود يمكن أن تولد خسارة مختلفة في القوة الشرائية بين الشرائح الاجتماعية. وتوفر بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك، الذي يجريه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أساسًا لبناء مؤشرات تضخم أكثر ارتباطًا بأنماط إنفاق كل شريحة، ومن ثم تقدير الخسارة الفعلية في الدخل الحقيقي.

وعندما يتراجع الدخل الحقيقي، تبدأ مرحلة جديدة: انخفاض الاستهلاك. فالأسرة التي أصبحت تنفق أكثر على النقل والطاقة والغذاء قد تضطر إلى خفض إنفاقها على السلع والخدمات الأخرى، أو تأجيل شراء السلع المعمرة، أو التحول إلى بدائل أقل تكلفة. وهكذا تنتقل الصدمة من جانب العرض، حيث بدأت بارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل، إلى جانب الطلب، عبر تراجع القوة الشرائية والاستهلاك. ومع انخفاض الطلب، قد تتراجع مبيعات الشركات والإنتاج، وتتقلص هوامش أرباح بعض الأنشطة، وتتأجل قرارات الاستثمار والتوسع.

وهناك قناة أخرى تتمثل في السياسة النقدية. فإذا أدى ارتفاع الوقود إلى تضخم أوسع أو إلى زيادة مؤقتة في الضغوط التضخمية، فقد تحتاج السياسة النقدية إلى البقاء أكثر تشددًا لفترة أطول. وعندها يمكن أن تنتقل الصدمة من أسعار الوقود إلى تكلفة رأس المال، ومن ثم إلى الاستثمار الخاص. ولا يعني ذلك أن كل تغير في أسعار الفائدة أو الاستثمار سببه الوقود وحده؛ فالاقتصاد يتأثر في الوقت نفسه بسعر الصرف، والأسعار العالمية، والسياسة المالية والنقدية، والظروف الجيوسياسية، وإنما يعني أن تقييم القرار يحتاج إلى نموذج يفصل بين هذه العوامل ويحدد مساهمة كل منها.

ثم نصل إلى المفارقة المالية. فرفع أسعار الوقود يولد وفرًا مباشرًا من خلال خفض دعم المنتجات البترولية وتقليص الانحراف عن تكلفة الاسترداد، وهو وفر حقيقي ومهم. وقد أكد صندوق النقد أن تعديلات أسعار الوقود والطاقة ساعدت على احتواء زيادة دعم الطاقة في موازنة السنة المالية 2025/2026. لكن الوفر الإجمالي لا يعني بالضرورة أن الدولة احتفظت به كله كتحسن صافٍ في وضعها المالي. فإذا أدى التضخم إلى زيادة احتياجات الحماية الاجتماعية، أو رفع تكلفة المشتريات الحكومية، أو ساهم في استمرار تشدد السياسة النقدية وارتفاع تكلفة التمويل، أو أدى تباطؤ الاستهلاك والاستثمار إلى انخفاض بعض الإيرادات، فإن جزءًا من الوفر الأولي قد يعود إلى الموازنة من أبواب أخرى.

ومن هنا يجب التمييز بين «الوفر المالي الإجمالي» و«الوفر الاقتصادي الصافي». فالحساب التقليدي قد يقول إن رفع الوقود يوفر للموازنة مبلغًا معينًا، بينما الحساب الاقتصادي الكامل يسأل عن صافي الوفر بعد خصم تكلفة الحماية الاجتماعية، وأثر التضخم على الإنفاق العام، وأثر تباطؤ النشاط الاقتصادي على الإيرادات، وأي تكلفة تمويل إضافية مرتبطة بالصدمة. وهذا لا يعني رفض إصلاح دعم الطاقة، وإنما يعني أن الإصلاح يجب أن يخضع لحساب التكلفة والعائد الاقتصادي.

وتزداد أهمية هذا التحليل في ظل استمرار التضخم وتعدد مصادر الصدمات. فحجم الزيادة ليس العامل الوحيد؛ إذ يهم أيضًا توقيتها، وسرعة تمريرها إلى الأسعار، وحالة توقعات التضخم، وسعر الصرف، والسياسة النقدية، والظروف الخارجية. كما أن الزيادة الكبيرة والمفاجئة قد يكون لها أثر مختلف عن زيادة مماثلة موزعة على مراحل، خصوصًا إذا جاءت في بيئة ترتفع فيها بالفعل تكاليف الإنتاج والنقل.

وتتضاعف أهمية هذه الاعتبارات عندما تنتقل الصدمة داخل أسواق لا تتسم بدرجة كافية من التنافسية، ولا توجد فيها قواعد واضحة وفعالة تضبط سلوك التجار والمنتجين في تمرير الزيادة في التكلفة إلى الأسعار. ففي هذه الحالة، قد لا تقتصر الزيادة في السعر النهائي على مقدار الارتفاع الفعلي في تكلفة الوقود، وقد تتسع الفجوة بين التكلفة والسعر، بما يضاعف العبء على المستهلك ويجعل تقدير الأثر التضخمي أكثر تعقيدًا. ولذلك، فإن إصلاح تسعير الوقود لا ينبغي أن ينفصل عن تعزيز المنافسة والرقابة على الأسواق وتحسين آليات كشف الزيادات غير المبررة في الأسعار.

لذلك، فإن القضية ليست في تأييد رفع أسعار الوقود أو رفضه، وإنما في الانتقال من سياسة «تعديل السعر» إلى سياسة «إدارة الصدمة». فالقرار الأكثر كفاءة هو الذي يسبقه حساب دقيق لحجم الصدمة التي يستطيع الاقتصاد والأسر تحملها، ويقارن بين الوفر المالي المتوقع والتكلفة الاقتصادية والاجتماعية الكاملة. وعند هذه النقطة، يصبح التحليل الاقتصادي أداة لصنع القرار، وليس مجرد أداة لتبريره. فإذا أظهرت الحسابات أن الوفر الاقتصادي الصافي، بعد خصم تكلفة التضخم والحماية الاجتماعية وتراجع الاستهلاك والاستثمار وارتفاع أعباء التمويل، لا يبرر حجم الصدمة، فقد تكون النتيجة ليست فقط تخفيض الزيادة أو تأجيلها، وإنما إلغاء قرار رفع أسعار المنتجات البترولية من الأساس، والبحث عن بدائل أخرى لتحقيق الهدف المالي.

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

منطقة إعلانية