مقالات

محمد العريان يكتب: عدم القيام بشيء.. أفضل استراتيجية لـ«الفيدرالى» حالياً

عندما استمع إلى حديث الأسواق وهى تحث «الاحتياطي الفيدرالي» على القيام بالمزيد، أتذكر رؤيتين بسيطتين ترسختا لدى منذ سنوات وقد لا تساعدان فى توقع ما سيفعله الفيدرالى فى النهاية، لكنهما قد تُلقيان الضوء على التداعيات المحتملة.

فى أوائل سنوات عملى فى «بيمكو»، أتذكر بيل جروس، مؤسس الشركة والمستثمر الأسطورى، وهو ينصح مديرى المحافظ بأن «هناك أوقات يكون فيها أفضل شيء هو عدم القيام بشيء»، وهى نصيحة مهمة، نظراً لأن أغلب مديرى المحافظ معتادون على البحث دوماً عن الفرص والتصرف وفقاً لذلك، ويشعرون عادة بالضجر عندما تفرض عليهم أحوال السوق استراتيجية الانتظار، وتتراوح تكلفة تجاهل نصيحة جروس من إهدار المال بغير ضرورة على فروق أسعار الشراء إلى الانتهاء بمحفظة لا تتمتع بتوزيع مثالى للأصول.

وينبغى أن يستمع المسئولون فى الفيدرالى، إلى نصيحة جروس فى الوقت الذى يخضعون فيه لضغوط من الأسواق للقيام بالمزيد بما فى ذلك خفض الفائدة للمنطقة السلبية والتحكم فى منحنى العائد والتوسع فى برامج شراء الأصول، وهى كلها أمور – من منظور الأسواق الضيق – ستساعد فى جذب المزيد من أموال المستثمرين إلى الأصول الخطيرة مثل الأسهم والسندات عالية العائد، وبالتالى تعزز أسعارهم أكثر، ومع ذلك يوجد القليل من الأسباب الاقتصادية المعقولة – إن وجد أصلاً – تحثهم على القيام بذلك.

وهناك 4 أسباب عادة ما تذكر كمبررات لتحركات السياسة النقدية الاستثنائية:

أولاً.. أداء الأسواق
بعد اضطرابات كبيرة، أصبحت الأسواق المالية الأمريكية سائلة وتعمل جيداً بفضل التدخلات الطارئة من قبل «الفيدرالي»، والتى اعترف رئيس الفيدرالى، جيروم باول، الأسبوع الماضى، بأنها « تخطت الكثير من الخطوط الحمراء، إذ وجد البنك المركزي نفسه فى وضع يجعله يقوم بالأمر ثم يفكر فيه بعد ذلك.

ثانياً.. تقلبات الأسواق
أصبحت أسعار الفائدة الحكومية تتداول فى نطاق ضيق خلال الأسابيع الماضية، وأنهت عائدات سندات الخزانة لأجل 10 سنوات شهر مايو وهى ثابتة تقريباً، مقارنة بالشهر الذى يسبقه.
وكل ذلك يحدث فى سياق اقتراض قياسى من الحكومة وكذلك إصدار قياسى من قبل الشركات ذات التصنيف الائتمانى الاستثمارى.

ثالثاً.. تدفقات الائتمان
لم يكن لدى أغلب الشركات التى تستطيع الوصول للأسواق مشكلة فى إصدار السندات، وفى الواقع، كانت وتيرة الإصدار فى الأسابيع الماضية هى الأعلى على الإطلاق عند تريليون دولار، وعلاوة على ذلك، كانت الإصدارات بأسعار فائدة منخفضة نسبياً بالنظر إلى العائدات المنخفضة لسندات الخزانة وتراجع فوارق المخاطر.

رابعاً.. النشاط الاقتصادي
رغم أن الاقتصاد يواجه تحديات على أوجه عدة، فمن الصعب المجادلة بأن هذه التحديات ناتجة عن أحوال مالية يستطيع الفيدرالى التحكم بها.
وبعد كل شيء، قد يشعر «الفيدرالي» بالإغراء للقيام بالمزيد فى كل الأحوال على أساس أنه خيار بلا عواقب، وهنا تأتى أهمية نصيحة أخرى تلقيتها من وزير خارجية فى الثمانينيات، عندما ألححت عليه بالسؤال: «لماذا لم يرد بالقوة على فعل استفزازى من حكومة عدائية؟»، فأجاب: «كن حريصاً عندما تقوم بفعل يهدد بعواقب غير مقصودة ويصعب عكس نتائجه».
وسيخاطر الفيدرالى من خلال مواصلة التدخل لمقابلة توقعات الأسواق بخلق ليس فقط اختلالات إضافية، ولكن أيضاً «أسواق زومبي» أى أسواق لا تستطيع إرسال إشارات تسعير دقيقة وتفشل فى لعب دور فعال فى تجميع وتخصيص رؤوس الأموال وهو ما سيقوض الإنتاجية ويضر بآفاق النمو ويهد الاستقرار المالى، وهناك أيضاً قضية «عدم وجود مخرج» أى عدم القدرة على العودة، حيث ستبدو مخاطر العودة أعلى بكثير.
وباختصار، يُنصح الفيدرالى بتجاهل دعوات القيام بالمزيد، بخلاف تفعيل برامج إقراض الاقتصاد الحقيقى بأسرع وقت ممكن، وهذا لا يعنى أنه لن يكون هناك حاجة للتحركات السياسية، وأن الفيدرالى لن ينخرط فى تحركات مشتركة فى المستقبل.
أما فى الوقت الحالى، فإن الأولويات السياسية تقع بشكل مباشر على عاتق الكونجرس والبيت الأبيض، وتشمل:
جولة أخرى من تدابير الإغاثة الموجهة لمساعدة أكثر شرائح المجتمع تألماً واحتياجاً، وتقليص مخاطر كوفيد 19 المرتبطة بإعادة فتح الاقتصاد عبر تعزيز الدعم للاختبارات الأفضل والتتبع والعلاجات والأمصال.
بجانب تحسين شبكات الأمان الاجتماعى لتقليص احتمالية، أن يؤدى شعور الأسر بعدم الأمان الاقتصادى إلى كبح الاستهلاك فى مرحلة التعافى الاقتصادى، وأيضاً مكافحة الضغوط الهبوطية على الإنتاجية والنمو من خلال مجهودات تحديث البنية التحتية وإعادة تدريب العمالة وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
ولا يعنى أى من ذلك أن العمل السياسى للفيدرالى انتهى، بل يتعين على المسئولين به مواصلة متابعة أداء الأسواق والنشاط الاقتصادى، عن كثب.
كما ينبغى عليهم العمل على سيناريوهين سياسيين، وهما كيفية تطبيع الأوضاع المالية بطريقة منظمة، وكيفية دعم الاقتصاد الحقيقى دون تدمير أداء الأسواق أو رفع أسعار الأصول لمستوى أعلى.
وبخلاف ذلك، فإن عدم القيام بشيء هو أفضل شيء على الإطلاق فى الوقت الحالى.

بقلم: محمد العريان

الأكثر مشاهدة

الحكومة تعيد النظر في مستهدفات النمو للعام المالي الحالي.. العجز التجاري يتراجع 20.5% في أغسطس

نشرة “إيكونومي بلس” تأتيكم اليوم برعاية  أهم العناوين "التجاري الدولي"...

كريديت جو.. تطبيق يتيح الدفع الإلكتروني وفرصة لتحقيق دخل إضافي

أطلقت شركة كريديت جو (CreditGo) التي تقدم خدمات الدفع والتحصيل...

منطقة إعلانية