ملفات

أحلام إفريقيا الضائعة وراء السد

*الأنهار تقدم الحل لمشكلة نقص الكهرباء فى القارة
          *سدود ما قبل عام 2000 تروى %40 من مصادر الغذاء 
 *موسمية الأمطار تهدد باستدامة نشاط السدود 
         *ارتفاع رواسب الأنهار خطر على كفاءة السدود وعمرها الافتراضى
ظلام إفريقيا لن تبدده شمعة ولكن علينا بناء السدود.. هذا ما يعتقده حكماء القارة السمراء؛ حيث تنخفض ﻣﻌﺪﻻت اﻟﻜﻬﺮﺑﺎء فى ﺟﻤﻴﻊ الأﻧﺤﺎء، رغم أنَّ دول القارة تتمتع بإمكانيات كهرومائية هائلة، لكن تستغل أقل من 10% منها.
وتتصدر إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية مشهد البحث عن أحلام مؤجلة لأكثر من 100 عام، وربما تكون أحلاماً ضائعة بالفعل؛ لأن خططهما لإنشاء محطات كهرومائية واسعة النطاق من خلال عشرات السدود العملاقة، إذا لم تتم إدارتها بطريقة صحيحة، فإنها يمكن أن تخلق مشاكل أكثر من تلك التى تسعى لحلها.
وفى ﺣﻴﻦ أن اﻟﺴﺪود اﻟﻤﺨﻄﻄﺔ ﺟﻴﺪاً ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﺤﻘﻖ ﻓﻮاﺋﺪ اﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ كبيرة، وﺗﺤﺴﻦ أﻣﻦ اﻟﻤﻴﺎه واﻟﻐﺬاء واﻟﻄﺎﻗﺔ، ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﻜﻮن ﻟﻬﺎ، أﻳﻀﺎً، ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻣﻌﺎكس إذا لم تأخذ فى الحسبان العوامل البيئية المحيطة؛ مثل ارتفاع الرواسب فى مياه الأنهار، وتزايد مواسم الجفاف، ويتطلب ذلك دراسة الآثار السلبية لطفرة بناء السدود فى القرن العشرين لتقليل أضرارها.
شهد العالم طفرة فى بناء السدود، خلال النصف الأخير من القرن العشرين. وساعدت الطاقة الكهرومائية الرخيصة والمياه العذبة التى توفرها السدود على زيادة إنتاج الغذاء من خلال الرى، وتوفير الطاقة للتوسع الصناعى، وتحسين المستويات الصحية من خلال توفير مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحى.
وتعتبر السدود مسئولة، جزئياً، عن الزيادة الهائلة فى وفرة الغذاء، وخلال السنوات الخمسين حتى عام 2000، تضاعف حجم الرى ثلاث مرات تقريباً بفضل تشييد سدود سمحت بتخزين المياه اللازمة للزراعة؛ حيث تم استزارع نحو %17 من الأراضى الصالحة للزراعة فى العالم، لتنتج وحدها %40 من الغذاء، لكن فى معظم الحالات، لم تشارك أفريقيا فى هذه الطفرة بالرغم من وفرة مواقع السدود المحتملة.
وبحسب تحليل مؤسسة «فويتشر دايركشن» الأسترالية، تعتبر الكهرباء، حالياً، الحجة الرئيسية لبناء السدود فى أفريقيا، والتى تعد منخفضة بجميع أنحاء القارة، ما يجعل المعروض غير قادر على تلبية الطلب.
الأهم من ذلك، أن الطلب مستمر فى النمو مع زيادة عدد السكان والتنمية الاقتصادية الصاعدة، ويمكن استغلال الأرقام فى توضيح الفوارق، فعلى سبيل المثال؛ تمتلك القارة، حالياً، قدرة توليد كهرباء تبلغ 147 ألف ميجاوات، فى حين أن مليون منزل أوروبى فقط تستهلك 1000 ميجاوات، وهو ما يمكن ترجمته بأنه يضمن وصول الكهرباء لثلث السكان الأفارقة فقط.
وفى ظل هذه البيانات، يعد معدل الحصول على الكهرباء مرتفعاً فى بعض البلدان الأفريقية، مثل مصر، لكن عبر معظم القارة لا يزال الوصول إليها منخفضاً.
وتبرز الفجوة بشكل أكبر فى المستوطنات الريفية؛ حيث يحصل أقل من %30 من السكان على الكهرباء، ويقدر برنامج البنية التحتية فى أفريقيا، أنَّ إمدادات الكهرباء الأفريقية ستحتاج إلى زيادة بنسبة %6 على الأقل كل عام حتى عام 2040، إذا أرادت مواكبة ارتفاع الطلب؛ حيث ينظر إلى زيادة توافر الطاقة الكهرومائية كوسيلة للتوسع السريع فى إمدادات الكهرباء الأفريقية.
وتثير الطاقة الكهرومائية جاذبية كبيرة للمخططين كوسيلة لزيادة إمدادات الكهرباء بسرعة؛ حيث توجد العديد من الأنهار سريعة التدفق، مثل نهر النيل، والكونغو، والنيجر، والسنغال، والتى يمكن تسخيرها لتوليد الكهرباء.
وبالفعل تعتبر الطاقة المائية مصدراً رئيسياً للكهرباء بالنسبة للعديد من البلدان الأفريقية، لا سيما فى الأجزاء الشرقية والجنوبية، وتصل نسبتها إلى نحو %90 كمصدر للكهرباء فى إثيوبيا، وملاوى، وموزمبيق، وناميبيا، وزامبيا، وفى بعض البلدان الأفريقية، مثل مصر وغانا وموزمبيق، تم استخدام الطاقة الكهرومائية منذ الستينيات.
وبنت مصر، خلال العقد السادس من القرن الماضى، أكبر محطة للطاقة الكهرومائية العاملة فى أفريقيا، وهى سد أسوان العالى؛ حيث ينتج 2100 ميجاوات من الكهرباء، والتى كانت تمثل نصف إمدادات الطاقة المصرية، فى الوقت الذى أصبحت فيه تعمل بكامل طاقتها عام 1975.
كما زادت كمية الأراضى الصالحة للزراعة بنسبة 20%، لكن أحد الآثار الجانبية هو أنه يؤدى إلى إبطاء تدفق نهر النيل مع وصوله إلى دلتا زراعة الأرز المهمة، وهو الوضع الذى يطرح عدداً من المشاكل؛ منها زيادة ملوحة الدلتا، وانتشار المياه الصفراء التى تسد الممرات المائية، كما يخلق السد المزيد من التلوث فى قنوات الرى، ويبطئ تدفق الرواسب، وهو أمر حيوى لاستبدال المغذيات فى الأراضى الزراعية فى اتجاه مجرى النهر. وترى إثيوبيا نفسها على أنها «برج المياه فى أفريقيا»؛ بسبب إمكانات الطاقة الكهرومائية الهائلة الموجودة فى أنهارها، وتقدر هذه الإمكانات بـ45 ألف ميجاوات، وهو ما يكفى لتلبية الطلب على الكهرباء فى جميع دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تقريباً، وتقوم بتطوير ما لا يقل عن 15 سداً جديداً على نهرى النيل وأومو.
ومن المتوقع أن ينتج مشروع «جيلجيل جيب»، وهو سلسلة من خمسة سدود على نهر «أومو» ما لا يقل عن 4700 ميجاوات من الكهرباء، وبما أن شبكة الكهرباء الإثيوبية لم تكن قادرة إلا على توفير ما يصل إلى 800 ميجاوات عند بدء البناء، فمن الواضح أن هذا المشروع سيوفر فرص تنمية كبيرة لإثيوبيا.
وتعمل البلاد، أيضاً، على تدشين سد النهضة الذى سيضاعف إنتاج الكهرباء فى البلاد، وتتفاوض الحكومة الإثيوبية، حالياً، مع تنزانيا وجنوب السودان واليمن بشأن خطط لتصدير بعض هذه الكهرباء إليها.
ودخلت الحكومة الكينية بالفعل فى اتفاق لشراء 400 ميجاوات من الكهرباء كل عام، ولكن بما أنه من المحتمل أن يقلل من كمية المياه المتدفقة إلى بحيرة توركانا، قد يمثل هذا الترتيب مشاكل بالنسبة للكينيين الذين يعتمدون على البحيرة فى إنتاج الغذاء والأمن المائى وسبل عيشهم.
ويوفر نهر «أومو» بين %80 و%90 من المياه فى بحيرة توركانا، وهى الرافد الوحيد الذى لا يجف تماماً خلال موسم الجفاف، وتوجد مخاوف من أن السد سوف يقلل من كمية المياه المتدفقة إلى النهر، ما يزيد من الملوحة، ويقلل من مخزونات الأسماك.
ومنذ بدء ملء خزان سد النهضة عام 2015، انخفض مستوى مياه البحيرة بمقدار 1.5 متر، وتراجعت مخزونات الأسماك، وهناك أيضاً مخاوف من أن كمية المياه المتدفقة فى الجزء الكينى من نهر «أومو» يمكن أن تهبط؛ حيث يمكن تحويل نصف المياه إلى مزارع قصب السكر الإثيوبية.
لكنَّ الاثويبيين يرون أنه بمجرد تشغيل السد بالكامل سيقلل من تأثير تغيرات الأمطار الموسمية على الزراعة، ويسمح بإنتاج غذائى أكثر استقراراً، رغم أنه من المحتمل أن يأتى هذا على حساب المنتجين الكينيين.
وتحرص جمهورية الكونغو الديمقراطية على استغلال تدفق نهر الكونغو وهو تدفق قوى باستمرار وفى بعض الأجزاء يكون تدفق الماء كافياً لدفع التوربينات لإنتاج الكهرباء، ما يقلل الحاجة إلى السدود التخزينية الكبيرة، وتم التخطيط لمشاريع لاستغلال إمكاناتها الكهرومائية منذ السبعينيات.
وتم تطوير مشروعين؛ هما إنجا 1 وإنجا 2 فى سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ولكنهما سقطا فى حالة من الإهمال؛ بسبب الحرب الأهلية المستمرة، وعدم الاستقرار السياسى، لكن مشروع إنجا 3 الذى تم تمويله منذ فترة طويلة، وساعدت شركات البناء الصينية فى تمويله، سوف يولد طاقة أكثر من سد أسوان العالى فى مصر إذا تم بناؤه. ويمكن أن تكون تكلفة هذا المشروع على الأقل 80 مليار دولار فى بلد محفوف بالمخاطر بشكل خاص للمستثمرين، لكنه يقع فى غرب البلاد، بعيداً عن الشرق غير المستقر، ما قد يحسن من فرص البناء فى نهاية المطاف.
وبموجب صفقة مع شركة إسكوم، وهى شركة الطاقة الجنوب أفريقية سيتم بيع معظم الكهرباء المولدة من إنجا 3 إلى جنوب أفريقيا، على الرغم من أن البعض منها سيتم بيعه للشركات التى تعمل فى صناعة التعدين المربحة بجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وفى حال بناء السدود السبعة المخطط لها ومن بينها إنجا 3، فمن المتوقع ارتفاع إنتاج الكهرباء بالكونغو الديمقراطية إلى 42 ألف ميجاوات، أى ما يقرب من ضعف الكهرباء التى تنتجها أكبر محطة للطاقة فى العالم، وهو سد المضايق الثلاثة فى الصين.
وتوجد كمية هائلة من الإمكانات الكهرومائية لا تزال غير مستخدمة فى أفريقيا؛ حيث يقدر البنك الدولى، أنَّ أقل من %10 من إمكانيات الطاقة الكهرومائية لدى القارة قد تم تسخيرها، مقارنة بأكثر من %30 فى أوروبا، و%65 على مستوى العالم.
ويساعد استخدام هذه الموارد المهملة على زيادة إمدادات الكهرباء فى القارة، والوصول إلى الزراعة النظامية، ولكن تبقى المعضلة الأساسية هى أنه يمكن أن تتعطل الصناعات والمجتمعات التى تعتمد على تدفق مياه النهر؛ بسبب تغيرات التدفق الطبيعى للمياه فى الأنهار التى تسببها السدود.
ولم يكن الانتشار السريع للسدود فى أواخر القرن العشرين دون مشاكل، فقد أدى الرى المكثف والصرف غير الكافى إلى زيادة ملوحة المياه، وتآكل طبقة الطمى.
وقد تجاوز الطلب المتزايد على مياه الرى المعروض المتاح من الأنهار والسدود وأدى ذلك ببعض الدول إلى الاستفادة من إمدادات المياه الجوفية، وفى بعض الحالات استنزاف الخزانات الجوفية بمعدل أسرع من إعادة شحنها.
ونتيجة ذلك، يعتقد أن حوالى %10 من الزراعة فى العالم لا يمكن تحملها على المدى الطويل، أى أنها غير مستدامة على المدى الطويل، كما وجد تقرير اللجنة العالمية للسدود لعام 2000، أن جدوى السدود كانت أقل مما هو متوقع قبل إنشائها؛ حيث تكلفت أكثر بكثير.
كما أن الظروف المناخية الأفريقية ليست، دائماً، مناسبة تماماً للسدود؛ حيث تحمل الأنهار الأفريقية عموماً مستوى عالياً من الرسوبيات؛ نتيجة الأمطار الموسمية الغزيرة، وتعنى حمولة الرواسب الثقيلة، أنَّ للسدود فترات حياة أقصر، وتتطلب صيانة متكررة أكثر فى المناطق الأخرى من العالم؛ حيث غالباً ما تكون الأنهار والسدود ممتلئة بالثلوج.
وتشير دراسة حديثة إلى أنه إذا تم بناء جميع السدود التى من المقرر بناؤها فى شرق وجنوب أفريقيا بحلول عام 2030، فإنَّ %70 من إجمالى الطاقة المولدة للطاقة الكهرومائية بشرق أفريقيا، و%59 فى الجنوب الأفريقى ستعتمد على الأمطار، وفى المناطق التى تشترك فى خصائص تقلبية سقوط الأمطار ستكون شبكات الكهرباء تحت ضغط شديد خلال أوقات الجفاف.
ويشكل الاعتماد على الطاقة الكهرومائية تحدياً خلال الجفاف ففى ديسمبر 2017، اضطرت شركة الكهرباء المملوكة للدولة فى مالاوى لإغلاق محطة للطاقة المائية بعد جفاف شديد، وخلال ظاهرة النينو عام 2015؛ حيث اتسعت رقعة الجفاف، شهدت مالاوى وتنزانيا وزامبيا وزيمبابوى نقصاً واسعاً فى الكهرباء؛ بسبب انخفاض معدل سقوط الأمطار. وقدرت التكلفة الاقتصادية لهذا النقص بما يتراوح بين 5 و%7 من الناتج المحلى الإجمالى، ولذلك من غير المحتمل أن يكون الاعتماد على الطاقة الكهرومائية فقط علاجاً ناجحاً لنقص الكهرباء فى أفريقيا.
وتعترف العلاقة بين الطاقة والمياه والغذاء بالصلات التى لا تنفصم بين الموارد الثلاثة، ولزيادة إتاحة أحد هذه الموارد يتطلب وجود مقايضة مع واحد على الأقل من الاثنين الآخرين، وهنا يدرك مديرو الموارد، أنَّ ممارسات إنتاج الغذاء وتوليد الطاقة واستخدام المياه يجب أن تكون متكاملة إذا أريد لها أن تظل مستدامة فى أوقات تزايد الطلب.
وتقدم الزيادة المخططة فى توليد الطاقة الكهرومائية بأفريقيا فرصاً كبيرة وتحديات أيضاً، فمن ناحية سيساعد ذلك على المزيد من التنمية الاقتصادية للقارة؛ حيث سيساعد المزيد من الكهرباء على دفع التصنيع، ودعم إنشاء المزيد من الصناعات التحويلية.
كما ستساعد زيادة سعة تخزين المياه الصناعة الزراعية، من خلال تقليل اعتمادها على الزراعة الموسمية، ومن ناحية أخرى، فإنَّ الاعتماد المفرط على السدود يمكن أن يهدد الأمن الغذائى والمياه والطاقة فى أوقات الجفاف، كما يمكن أن يمثل تحديات للمجتمعات التى تعتمد على التدفق الطبيعى للمياه فى الأنهار.
وتقدم السدود للقارة السمراء الكثير من الفرص، خاصة أن العديد من الأنهار الأفريقية تمتلك الخصائص التى تجعلها مناسبة تماماً لبناء السدود، لكن يجب تقييم هذه الفرص والتحديات المصاحبة لها مع مراعاة العلاقة بين الطاقة والمياه والغذاء. وإذا كانت البلدان الأفريقية تسعى لاستغلال الفرص التى توفرها أنهارها فعليها، أيضاً، أن تتعلم من أخطاء الماضى، وتقلل من الآثار الضارة الناجمة عن جنون بناء السدود.

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

كيف استحوذ أولاد بدوي على مزاج المصريين وتجارﺓ “المية السخنة”؟

قدرت وكالة فيتش قيمة إنفاق المصريين على الشاي والقهوة بنحو...