ملفات

النظام المالى العالمى فى قبضة البنوك الأمريكية

أوروبا تبحث عن بنوك دولية «تحت السيطرة»

       حرية حركة مصارف الولايات المتحدة مع تخفيف قيود ما بعد أزمة 2008

القارة الأوروبية تعتمد على منافسين أمريكيين لتمويل الشركات

       تصاعد القلق من استمرار الوضع المهيمن للبنوك الأمريكية فى القارة العجوز

البنوك الأوروبية تتراجع والصينية تتوسع فى العقد الأخير

لا تكمن حكمة النصر فى عدد القوات، لكن فى توزيع التشكيلات العسكرية بمسرح المعركة. واليوم باتت البنوك الأمريكية بمثابة العرش الذى تجلس عليه الولايات المتحدة لإدارة الاقتصاد العالى أو بمعنى آخر إدارة العالم، بعد أن باتت تتحكم فى تدفقات المال عبر الحدود كما يتحكم قادة الميدان بحركة الجنود.
وفى ظل حرب تجارية يزداد توهجها مع استمرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى إصدار فرمانات الرسوم على السلع وآخرها %10 على بضائع صينية تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار سيكون عنصر الحسم هو توزيع السيولة النقدية، وتوفير التمويل للشركات فى الخارج لتنويع البدائل التجارة أمام المستورد الأمريكى.
السيطرة الأمريكية أضعفت من قيمة إجراءات ترمى إلى الاحتفاظ باحتياطات ضخمة من العملة الخضراء؛ حيث تحول الصراع إلى سبل التحكم فى قنوات إنفاق هذه الأموال، وتمتلك الصين حالياً 3 تريليونات دولار مقابل 66 مليار يورو فى البنك المركزى الأوروبى.
وتنحى الأوروبيون عن صدارة المنافسين للولايات المتحدة بشكل يبدو أنه غير مؤقت، فالبنوك الصينية الحكومية تقدمت للصفوف الأولى فى المواجهة، وتستعد للفوز بلقب أكبر قطاع مالى فى العالم، لكن المشكلات الهيكلية لديها تجعل الأمريكان يملكون زمام المبادرة بفضل الإدارة المالية للعالم وخبرتهم على هذا الصعيد.
قبل ثلاثة أيام من تقديم بنك «ليمان براذرز» طلب الحماية من الإفلاس فى سبتمبر 2008، دخل بوب دايموند إلى قاعة مؤتمرات كبيرة مكتوب عليها بخط اليد «المشترى» فى بنك الاحتياطى الفيدرالى فى منهاتن بنيويورك.
وبينما اقترب رئيس بنك «باركليز» من إتمام صفقة لصالح بنك «ليمان» قال دايموند، إنَّ الفرصة كانت تبدو رائعة رغم إحباطه من أنه لم يتمكن من التوصل إلى اتفاق قبل انهياره، وقد أنقذت الصفقة العالم من أسوأ ما فى الأمر؛ حيث اشترى «باركليز» الكثير من عمليات «ليمان» فى الولايات المتحدة قبل إفلاسها.
فى ذلك الوقت، كان بنك باركليز من بين البنوك الأوروبية الصاعدة مع اقتراب النظام المصرفى الأمريكى من الانهيار؛ حيث كان يطمح فى أن يكون من بين أولئك الذين جمعوا غنائم ما بعد أزمة الرهن العقارى.
وقبل بضعة أشهر، أصبح «رويال بنك أوف سكوتلاند» أكبر بنك فى العالم من حيث الأصول بعد استحواذه على منافسه الهولندى «إيه بى إن أمرو».
ووسط زخم الأنباء السيئة عن تعرض أسهم أكبر البنوك الأمريكية لضربة من موجات الذعر التى قد تنهار بعد ذلك لا يمكن لأحد أن يزعم أنه تخيل أن انفجار فقاعة الإسكان التى تغذيها الديون سيؤدى فى النهاية إلى عودة القطاع المالى الأمريكى أقوى من أى وقت مضى.


وتوقع تقرير صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، أنه على مدى العقد المقبل، ستواصل المجموعات الكبرى فى «وول ستريت» تأسيس هيمنة لا تتزعزع على ما يبدو للأعمال المصرفية للشركات والاستثمارات العالمية.
فى الوقت نفسه اضطرت البنوك الأوروبية للخضوع لموجة تراجع مستمرة؛ بسبب أزمة الديون اللاحقة فى منطقة اليورو ما أدى لتجاوزها فى التصنيف العالمى من قبل منافسين أمريكيين ناشطين وكذلك البنوك الصينية المملوكة للدولة التى تنمو بشكل أسرع.
ووفقاً للأرقام التى جمعتها «فاينانشيال تايمز»، فإن أكبر خمسة بنوك أوروبية وهى «إتش إس بى سى» و«آر بى إس» و«بى إن بى باريبا» و«باركليز» و«دويتش بنك» حققت مجتمعة ما يقارب 60 مليار دولار من الأرباح الصافية عام 2007 وكان هذا أعلى بمقدار الثلث من أرباح منافسيها فى الولايات المتحدة وهى «جى بى مورجان» و«بنك أوف أميركا« و«سيتى جروب« و«مورجان ستانلى» و«جولدمان ساكس».
وبحلول عام 2017، تغيرت الصورة بشكل كبير فقد تقلصت الأرباح الصافية للمجموعات الأوروبية بأكثر من الثلثين إلى 17.5 مليار دولار، أى أقل من الربع تحت مستوى 24.4 مليار دولار الذى حققته «جى بى مورجان» خلال العام الماضى.
وفى الواقع، تجاوزت القيمة السوقية لبنك «جى بى مورجان» البالغة 380 مليار دولار القيمة السوقية للخمسة بنوك أوروبية المنافسة مجتمعة.
بين عامى 2006 و2016، حصلت أكبر 5 بنوك أمريكية على 6 نقاط مئوية من حصتها فى السوق بإيرادات الخدمات المصرفية العالمية بالجملة، فى حين خسر أكبر 5 أوروبية 4 نقاط مئوية، وفقاً لأبحاث أجراها «أوليفر وايمان» و«مورجان ستانلى».
ويشير التقرير إلى أن كبار المصرفيين تتبعوا الثروات بطرق متناقضة بهدف تحقيق الاستجابات المختلفة للأزمة على كل جانب من جانبى الأطلنطى.
وأجبرت الولايات المتحدة، بقيادة وزير الخزانة هانك بولسون، بنوكها الكبيرة على اتباع حمية غذائية عن طريق ضخ الأموال الحكومية بالقوة ووقف دفع الأرباح والمكافآت لكبار المديرين حتى اجتازوا اختبارات التحمل البنكية.
ويقول بول أكليتنر، رئيس «دويتش بنك» وزميل سابق لبولسون فى بنك «جولدمان»: لقد حققت هذه الإجراءات الاستقرار بشكل كامل فى النظام الأمريكى وسمحت لهم بشطب جميع أنواع الأشياء التى كانت موجودة هناك وتضر بالعمل وبالفعل تمت إعادة هيكلتها تماماً لكن هنا فى أوروبا لا يمكن القيام بأى من الأمور المذكورة أعلاه بسهولة.
ويقول مصرفيون مثل دايموند وأكليتنر، إن أوروبا ترتكب الآن خطأ استراتيجياً كبيراً من خلال ترك نفسها معرضة لسيطرة النزعة القومية الاقتصادية الأمريكية الصارخة بشكل متزايد، خاصة فى ظل جلوس رئيس مثل دونالد ترامب فى مكتبه بالبيت الأبيض.
ويقول بيل وينترز، المدير التنفيذى السابق فى بنك «جى بى مورجان» الذى يدير الآن الأسواق الناشئة فى بنك «ستاندرد تشارترد»، إن البنوك الأمريكية عبر التاريخ أظهرت التزاماً صادماً بالاستثمار فى الأسواق خارج الولايات المتحدة.
أضاف، «لهذا السبب يعتقد أنه سيكون من غير الحكمة أن تجد أوروبا نفسها فى وضع تكون فيه قنواتها لأسواق رأس المال الدولية شركات لا تملك أى اهتمام بالاقتصاد المحلى أصلاً».
ويشارك آخرون القلق المتزايد من أنه فى حال تراجع البنوك الأمريكية فى أى أزمة قادمة فإن الشركات الأوروبية ستجد صعوبة فى الحصول على تمويل لأنشطتها.
ويرى أندريا أورسيل، رئيس البنك الاستثمارى «يو بى إس»، الذى تراجع إلى حد كبير منذ أن أصبحت الصناعة الأوروبية مضطرة إلى الاعتماد على البنوك الأمريكية من أجل زيادة رأس المال ولتنفيذ عمليات الاندماج والاستحواذ، بينما تعد أنشطة الوساطة فى أسواق المال والاستثمار تحدياً جغرافياً إلى حد ما.
ويبدو أن السياسيين الأوروبيين الذين فى الغالب لا يظهرون القليل من التعاطف مع النضالات المستمرة للمصارف الإقليمية التى لا تزال تعتبر مصدراً للمخاطر السياسية وحتى الشركات التى تعتمد على التمويل المصرفى تبدو غير منزعجة ما دامت ترى البنوك الأمريكية تصطف فى أوروبا لتوفير التمويل الرخيص.
وعادة ما تتمتع الشركات متعددة الجنسيات بثبات ويوجد من تلك النوعية على الأقل 12 بنكاً تمثل مزيجاً من المقرضين المحليين والدوليين القادرين على دعم العمليات العالمية لتلبية احتياجات التمويل.
وتؤكد سارة بويس، عضو رابطة أمناء الشركات فى المملكة المتحدة: «يبدو تراجع البنوك الأوروبية واضحاً لكن البعض منها بدأ طريقه نحو الهروب من دوامة الركود».
وحذرت المديرة السابقة للتمويل لدى شركة «كادبورى» البريطانية لصناعة الشيكولاتة من أن يسود شعور بالرضا عن توافر التمويل الرخيص أمام شركات الخدمات كما هو الآن، مشيرة إلى أنه فى الأزمة الأخيرة عاد الجميع إلى الوطن مفضلين العمل فى أسواقهم المحلية وحالياً يوجد خطر حقيقى بأن البنوك الأمريكية ستفعل الشىء نفسه فى الأزمة القادمة. وتقلصت فى العقد الماضى إيرادات البنوك الأوروبية الخمسة التى تتبعتها «فاينانشيال تايمز» بنسبة %20 كما تراجعت أصولها بنسبة %15 وقوتها العاملة بنحو %30، وفى الوقت نفسه نمت إيرادات منافسيها الخمسة فى «وول ستريت» بنسبة %12 وأصولها بنسبة %10 فى حين أن عدد موظفيها تقلص بنسبة أقل من %10.
ويوجد من يعتقد أن البنوك الأوروبية المتراجعة يجب أن يتم الاحتفال بها كنجاح للسلطات المالية فبحسب جون فيكرز، الأستاذ فى كلية سولز بجامعة أوكسفورد، فإنًّ تقدمها كان يتطلب فى الواقع إعانة ضخمة مدعومة من دافعى الضرائب من أجل انقاذ مؤسسة تواجه مخاطر مالية، وكانت ستنتهى بالدموع لذا فإنَّ عدم توفير خطوط دعم حكومى أمر جيد.
ويعتقد «جون»، أن الميزانيات العمومية للبنوك أصبح مبالغاً فيها للغاية لتمويل الكثير من الأنشطة التى يرى أنها غير منتجة تماماً ولذا لا توجد خسارة اجتماعية أو خسارة اقتصادية فى اختفائها كما حدث فى أزمة 2008.
ويبقى «رويال بنك أوف سكوتلاند» المثال الأكثر تطرفاً على الجانب الأوروبى فى حالة التراجع ففى عام 2008، كان أكبر بنك فى العالم من حيث الأصول حتى تم إنقاذه من قبل حكومة حزب العمال لجوردون براون بعد شهر من انهيار بنك «ليمان».
ومنذ ذلك الحين، دخل البنك فى عملية إعادة هيكلة مطردة؛ حيث قام بالتخلص من أكثر من %60 من أصوله و%70 من الموظفين.
ونقلت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية عن إيوين ستيفنسون، المدير المالى فى «رويال بنك أوف سكوتلاند» قوله إن سوق المؤسسات المصرفية والاستثمارية فى أوروبا يعانى فائضاً فى السعة يدفع ربحية معظم البنوك فى المنطقة إلى ما دون تكلفة رأس المال، ما يعنى أنها تدمر قيمتها.
وأضاف أنها مشكلة متعددة الأوجه لن تحل بمجرد الإصرار على أن البنوك الاستثمارية الأوروبية لا تزال مطالبة بالانتشار على نطاق أوسع.
وبجانب أن تباطؤ البنوك الأوروبية ناجم عن عملية هيكلية للتخلص من الأصول السامة فى ميزانياتها العمومية، لكنها عانت أيضاً مفاهيم مغلوطة لدى الطبقة السياسية فى أعقاب أزمة 2008 رسخت اعتقاداً بضرورة معاقبة البنوك باعتبارها أحد روافد المشكلات المالية.
وبالعوة لـ»دايموند« الذى تم دفعه من قبل السلطات المالية إلى منصب الرئيس التنفيذى لبنك باركليز عام 2012، ويدير الآن صناديق الأسهم الخاصة التى تشترى الأصول من البنوك عبر معظم أنحاء أوروبا، فإنه يحمل وجهة نظر ترتكز على أن السياسيين كان لهم دور فى ممارسة العدالة التوراتية العمياء فإذا كنت بنكاً فأنت سيئ ويجب معاقبتك بدلاً من محاولة إصلاح الأمر بطريقة سليمة.

ومنذ الأزمة المالية أدخلت معظم البلدان الأوروبية ضرائب وقوانين خاصة بالبنوك مثل الحد الأقصى للعلاوات وقوانين حماية المستثمر والتى لا تطبق فى الولايات المتحدة التى كانت مصدراً للأزمة نفسها.
لكنَّ أندرو تيرى، الرئيس السابق للجنة الخزانة للبرلمانيين الراسخين الذين يرأسون الآن هيئة المنافسة والأسواق، يقول إن المملكة المتحدة ليس لديها خيار سوى كبح جماح بنوكها بعد الأزمة؛ لأنها كانت كبيرة للغاية، مقارنة بحجم الاقتصاد البريطانى.
وأضاف مفسراً سهولة بيئة العمل الأمريكية بأن القطاع المصرفى فى الولايات المتحدة يمثل نسبة من الناتج المحلى الإجمالى أصغر بكثير من مثيله فى المملكة المتحدة، ما يعنى أن ثمن الخطأ التنظيمى قد يكون أقل قسوة نسبياً.
وتقوم الحكومة الأمريكية الآن بإزالة أجزاء من نظامها المالى المشكل بعد الأزمة، مثل قانون فولكر الذى يحد من تداول البنوك للملكية، لكن »تيرى« يقول إن بريطانيا يجب أن تكون حذرة من أن تحذو حذوها.
ومن وجهة نظر »تيرى«، الذى ترأس لجنة برلمانية حول إصلاح البنوك: «لا يمكن للمملكة المتحدة السماح لأى إعادة نظر من هذا القبيل أن تضعف اليقظة بشأن المخاطر الشاملة». وتوجد أسباب هيكلية لتفوق أداء البنوك الأمريكية والتى تستفيد من مركز مهيمن فى سوق محلية متجانسة تفتخر بأكبر تجمع رسوم للخدمات المصرفية الاستثمارية فى العالم.
ولا يوجد فى أوروبا مصارف أوروبية حقيقية، ولا يزال نموها الاقتصادى بطيئاً والاتحاد المصرفى فى منطقة اليورو لا يزال فى الطريق، ويضاف إلى ذلك الخروج البريطانى من الاتحاد الاوروبى المهيأ لمزيد من تجزئة السوق.
ويشير فريدريك أوديا، الرئيس التنفيذى لشركة سوسيتيه جنرال، إلى أن البنوك الأمريكية يمكن أن تفرض ثلاثة أضعاف الرسوم على الطرح العام الأولى و%30 أكثر على إصدارات السندات مقارنة بأوروبا، لكنه لا يمكن وصف عملها بأنه احتكار كامل.
فى الوقت الذى تستخدم فيه الولايات المتحدة عقوبات ضد دول مثل روسيا وإيران وتركيا كوسيلة لتسخير هيمنة الدولار فى التجارة الدولية وتحقيق أهداف سياستها الخارجية، يرى البعض أن البنوك العالمية القوية أكثر أهمية من أى وقت مضى.
يقول «أكليتنر»، إنه كان يسأل السياسيين فى برلين إذا كانوا سعداء بترك الساحة للولايات المتحدة لتكون الشرطى المالى للعالم، منذ أن أصبح رئيساً لـ«دويتشه بنك» قبل 6 سنوات.
وارتفعت أسئلته بصوت أعلى عندما قامت الولايات المتحدة بإثارة الذعر لدى المستثمرين فى عام 2016 بتهديد أكبر بنك فى ألمانيا بغرامة قدرها 14 مليار دولار؛ بسبب سوء إدارة سندات الرهن العقارى قبل الأزمة.
ويقول رئيس مجلس إدارة «دويتشه بنك»، إنه قبل 6 سنوات، كانوا غير مبالين تماماً بمسألة ما إذا كانوا بحاجة إلى بنوك دولية كبيرة فى ألمانيا، لكن فى البيئة السياسية الحالية تغير هذا الموقف بشكل أساسى.
وعلى مدى 60 عاماً، افترض معظم الأوروبيين، أن مصالحهم الاستراتيجية تتماشى مع الولايات المتحدة، لكن السيد أكليتنر يقول إن هذا يتغير الآن.

المصدر: جريدة البورصة

الأكثر مشاهدة

مستند: 4 بدائل لصرف متأخرات دعم الصادرات وغدا آخر موعد للتقدم

وافق مجلس الوزراء على منح المصدرين 4 بدائل جديدة لسداد...

التصويت على الشريحة الأخيرة من قرض «صندوق النقد» الأسبوع المقبل

يصوت صندوق النقد الدولى على نتائج المراجعة الخامسة والأخيرة لبرنامج...