مقالات

محمد العريان يكتب: أوروبا يجب أن تقلق من ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية

يشير المحللون إلى تغير المشهد الاقتصادى الأمريكى؛ نتيجة ارتفاع النمو والتضخم بجانب صعود العائد على سندات الخزانة الأمريكية؛ بسبب رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطى الفيدرالى.
ويمكن للمدخرين الآن تأمين أسعار فائدة أعلى، أما الساعون للحصول على قرض عقارى فسيواجهون تكاليف تمويل غير مشهودة منذ سنوات عديدة، وسيتمكن المستثمرون من الاستفادة بتنويع أفضل لمحافظهم الاستثمارية من خلال امتلاكهم أوراق دخل ثابت، وبالنسبة لمتداولى الأسهم، استفادت أسهم الشركات المالية، بينما تضررت أسهم شركات البناء.
ولكن فيما يتعلق بالأهمية النظامية، فإنَّ هذه التطورات ستبدو شاحبة، مقارنة بتأثير التحركات الأخيرة فى أسعار الفائدة الأمريكية على نموذج تحديد أسعار الفائدة فى العالم المتقدم، وتوجد علامات متنامية على تحول محتمل فى عفوية العلاقة بين الأحوال المالية الأمريكية والأوروبية.
ولفترة ليست بقصيرة، وضعت السيولة الأوروبية الوفيرة ضغوطاً هبوطية على أسعار الفائدة الأمريكية بشكل عام، وأسهمت فى ما كان استواءً ملحوظاً فى منحنى العائد لسندات الخزانة بما فى ذلك الفارق فى العائد بين سندات العامين والعشرة أعوام والذى هبط دون 20 نقطة أساس.
أما الآن، فإنَّ الأوضاع النقدية الأوروبية لم يعد بإمكانها احتواء الزيادة الكلية فى العائدات الأمريكية، كما أنها تصبح أكثر تشدداً؛ بسبب التطورات التى تقع على الجانب الآخر من الأطلنطى، وهو ما له تداعيات ليس فقط على أوروبا، التى لم تطبق نهجاً كافياً لدعم النمو، وإنما أيضاً على العالم الناشئ.
وعلى مدار الأسابيع القليلة الماضية، ارتفعت العائدات على السندات الأمريكية قصيرة الأجل إلى مستويات غير مشهودة منذ عدة سنوات، وصاحب ذلك تطوران مهمان: انحدر منحنى العائد بحدة بدلاً من أن يستوى، وعالمياً، بدلاً من مجرد اتساع الفارق فى العائد بين السندات الأمريكية والألمانية للأجل نفسه 10 سنوات والذى وصل إلى 260 نقطة أساس، نهاية الأسبوع الماضى، جذبت السندات الأمريكية العائدات الألمانية معها ﻷعلى، وخلال هذه العملية، تحطمت الفوارق بين السندات القياسية الأخرى بآجال مختلفة بما فى ذلك ارتفاع الفارق فى العائد فوق 50 نقطة أساس للأوراق المالية لأجل عامين.
ويعد هذا التغير فى شكل العائد معقولاً؛ بسبب التباين بين السياسات اﻷمريكية والأوروبية والذى أصبح متعدد الأبعاد، فعلى سبيل المثال: تسارع النمو الأمريكى مدفوعاً بكل من الاستهلاك والاستثمار، بينما لا تزال أوروبا تواجه رياحاً معاكسة قوية، كما أن التوترات التجارية المباشرة وغير المباشرة أقل ضرراً على الولايات المتحدة؛ بسبب تنوع اقتصادها واعتماده على ريادة الأعمال وانفتاحه بقدر أقل على التجارة، مقارنة بالدول الأوروبية. وعلاوة على ذلك، تسعى الولايات المتحدة لتطبيق سياسة مالية وضريبية توسعية، ورفع الفيدرالى أسعار الفائدة للمرة الثامنة، يوم الأربعاء الماضى، منذ ديسمبر 2015، وقد يشدد السياسة النقدية بأكثر من توقعات السوق، كما أن تأثير الركود التضخمى الناتج عن أسعار البترول المرتفعة سيكون على الأرجح أقل حدة فى الولايات المتحدة، مقارنة بالدول المتقدمة الأخرى، وهو ما دفع رئيس البنك المركزى الأوروبى، ماريو دراجى، للإشارة إلى توقعاته بارتفاع التضخم.
وبدون تدابير أكثر عزماً ودعماً للنمو من جانب أوروبا من الصعب أن نرى هدوء أى من تلك الاتجاهات قريباً، ونتيجة ذلك، قد تواجه أوروبا تضييقاً للأوضاع المالية بوتيرة وقدر يذهب إلى وراء توقعات المركزى الأوروبى.
وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإنَّ التغير فى الآفاق قد يقوض برنامج التيسير الكمى الذى يقوده المركزى الأوروبى بدرجة قد تجبر البنك على إلغاء مشترياته من الأوراق المالية خلال ثلاثة أشهر، كما أنه قد يغير موقف البنك تجاه أول رفع للفائدة والمتوقع بنهاية الصيف، وهذا ما يزيد تعقيد التحديات السياسية التى تواجه المركزى الأوروبى. ورغم أن فكرة التباين اﻷكبر تنطبق بشكل مباشر أكثر على الدول المتقدمة، فإنَّ العالم الناشئ قد أخذ حصته، أيضاً، مما يبدو تغيراً فى النظام العالمى لأسعار الفائدة.
وقد يضع خليط أسعار الفائدة الأعلى والدولار الأقوى ضغوطاً أكبر على الاقتصادات الهشة التى لديها احتياجات تمويلية كبيرة وديون قصيرة الأجل عالية، وتقلبات كبيرة فى العملة، ومعرضة لتجدد التدفقات الاستثمارية الخارجة.
وكلما عانت هذه الاقتصادات الهشة، ستزداد مخاطر العدوى غير المحبذة فى الدول الناشئة الأخرى.
والإجابة عن كل ما سبق ليس توقف الفيدرالى عن الرفع، ولا حتى أسوأ من ذلك، أن يتخذ الاقتصاد الأمريكى مساراً أبطأ للنمو، وإنما ينبغى أن تتحرك أوروبا بجرأة أكبر لتطبيق سياسات داعمة للنمو وإلا ستكون القارة على الطرف المستقبل للتشديد النقدى لدرجة أن المركزى الأوروبى لن يكون قادراً على مواجهة التشديد سوى بتحمل مخاطر المزيد من العواقب غير المقصودة والأضرار الجانبية.

بقلم: محمد العريان

كبير المستشارين الاقتصاديين لمجموعة “اليانز”

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

البنك المركزي: خفض سعر الفائدة 1% يوفر الدعم المناسب للنشاط الاقتصادي

قررت لجنة السياسة النقديـة في البنك المركزي المصـري في اجتماعهـا،...

أرباح “طلعت مصطفى” ترتفع 11% في 9 أشهر و”سيليا” فرس الرهان للمبيعات

سجلت مبيعات مجموعة طلعت مصطفى القابضة 14.5 مليار جنيه خلال...