مقالات

مغالطات استراتيجيات الاستثمار البيئى والاجتماعى والحوكمة

تلخص جملة واحدة الإقبال على الاستثمار البيئى والاجتماعى والحوكمة: «اجعل أداءك الاستثمارى جيداً من خلال فعل الخير»، وكما قيل لنا، تعزز استراتيجيات الاستثمار البيئى والاجتماعى والحوكمة «ESG» الصالح العام وتقدم أداء مالياً أفضل على المدى البعيد.
وعلى سبيل المثال، كتب أكبر مدير أصول فى العالم، «بلاك روك»، فى رسالة مفتوحة العام الجارى، أن «المحافظ المستدامة والمرتبطة بالمناخ يمكن أن تقدم عائدات معدلة وفق التضخم أفضل للمستثمرين»، أى أنه مع الوقت المزيد من الفضيلة ستعنى المزيد من الأموال.
وهناك أسباب جيدة تشجع المستثمرين على امتلاك محافظ استثمارية تتماشى مع قيمهم، ولكن الترويج للأمر على أنه وضع يكسب فيه الجميع ليس من بين تلك الأسباب، ولا يعود ذلك فقط إلى عدم حسم دليل أن استراتيجيات «ESG» تتفوق فى الأداء على فترات أطول، إنما لأن حجة المكسب للجميع ليس لها معنى.
وصحيح أنه عند نقطة معينة غير محددة فى المستقبل، قد تتلاقى المصالح الاجتماعية والمالية، فلا يوجد عوائد استثمارية على الإطلاق فى كوكب أصبح غير قابل للسكن بسبب التغير المناخى، ولكن المدى الزمنى الذى يعمل وفقه المستثمرون الأفراد ليس الإطار الصحيح، كما أنه مدى أبعد بكثير من تخطيط أى شركة.
وعلى مدى إطار زمنى أكثر واقعية قد تقدم أى محفظة شريرة «أو مناهضة لـESG» أفضل عائدات متاحة، وتعمل الاستثمارات بطريقتين، فإما تولد تدفقات نقدية أفضل من التوقعات مع الوقت «النمو» أو أنه يتم شراؤها بسعر منخفض «القيمة»، وإذا وضعنا جانباً مسألة النمو، فإنَّ مجادلة أن «على سبيل المثال» محافظ الاستثمار فى الكربون، والتبغ، والأسلحة لا يمكنها أن تتفوق فى الأداء على المدى البعيد فهى نفس المجادلة بأنه لا يمكن شراؤها أبداً بسعر رخيص.
ولكن بالطبع تهدف حركة الاستثمار البيئى والاجتماعى والحوكمة لدفع المستثمرين بعيداً عن المحافظ «الشريرة» من خلال جعل أسعارهم رخيصة وبالتالى وضعهم فى مسار التفوق فى الأداء على المحافظ «الفاضلة» مع الوقت، وبالتالى فإن الكلام المنمق بشأن المكسب للجميع بمثابة مغالطة، وفى بعض الأحيان يتعين على المستثمرين الاختيار بين قيمهم ومحفظة جيوبهم.
وعدم المنطقية ليست المشكلة الوحيدة لقصة «المكسب للجميع»، وإنما هناك مشكلة أخرى تتعلق بإسناد الأداء، وكان أداء صناديق «ESG» جيداً مؤخراً، ومنذ استحداثها فى أواخر 2018، على سبيل المثال، بلغ عائد صناديق مؤشرات «فانجارد» للاستثمارات البئية والاجتماعية والحوكمة فى الولايات المتحدة %28، متفوقاً على أداء صناديق مؤشرات السوق الأوسع عند %17، ولكن إذا نظرنا إلى ممتلكات صندوق «ESG» سنجد أن أكبر سبعة ممتلكات تشكل ربع قيمة هذه الصناديق وهى «آبل»، و«مايكروسوفت»، و«أمازون»، و«فيسبوك»، و«جوجل»، و«تيسلا»، وتلك الأسماء هى ما قادت المكاسب العام الجارى، وإذا أصبحت أسهم التكنولوجيا مبالغ فى تسعيرها وانهارت، فهل هذا يعنى أن استراتيجيات «ESG» ستصبح فجأة استراتيجية سيئة؟.
وفى أفضل الأحوال، سوف يخضع أداء الشركات ذات المؤهلات البيئية والاجتماعية والحوكمة القوية لمجموعة عوامل استثمار مثل «حجم الشركة وزخم الأسهم ونمو الأرباح»، ولا يزال الجدل قوياً بشأن أى تلك العوامل التى سوف تتفوق فى الأداء على المدى البعيد، ولكن من المؤكد أن أياً منها يمكن أن يعانى فترات طويلة من ضعف الأداء.
وبالتالى فإنَّ الالتزام القوى تجاه أى عامل من تلك العوامل هو بمثابة وصفة للعائدات الضعيفة، والمستثمرون الذين سيقتنعون بحجة المكسب للجميع سوف يمرون عاجلاً أم آجلاً بتجربة مؤلمة؛ لأنه لا يوجد سبب محدد أو منطقى أو جزئى لتوقع أن الأداء القوى نسبياً الذى تتمتع به الشركات البيئة والاجتماعية والحوكمة سوف يظل خصلة دائمة فى السوق.
ولا يعنى أى مما سبق أن المستثمرين يجب ألا يضعوا مدخراتهم وراء الأشياء التى يهتمون بها، وإنما يعنى أنه لا ينبغى التفكير فى ذلك السبيل على أنه الاستراتيجية الوحيدة لتعزيز الثروة لأقصى حد، وبالتأكيد فإنَّ قبول احتمالية انخفاض العائدات، مقابل نتائج اجتماعية إيجابية مثل البيئة الأكثر صحة أو الفقر الأقل، يمكن أن يكون له تأثير إيجابى من خلال وضع الموارد؛ حيث لن يضعها السوق «الأكفأ»، وهو ما سيقدم رأسمال مدعوماً للمشروعات شديدة الخطورة ولكن ذات التأثيرات الإيجابية الكبيرة للمجتمع.
ولن يستفيد المجتمع بالتأكيد من قصة المكسب للجميع مفرطة التفاؤل، وإنما هى تساعد مديرى الصناديق على بيع منتجاتهم، والشركات على تحسين سمعتهم بينما يتخذون خيارات صعبة، وأخيراً، اتبع قيمك ولكن أبق عينيك مفتوحتين.

بقلم: روبرت أرمسترونج

محرر التمويل الأمريكي لدى صحيفة فايننشال تايمز

الأكثر مشاهدة

خاص.. السفير الفرنسي: استثمارتنا 6 مليارات يورو في مصر

قال ستيفان روماتيه السفير الفرنسي في مصر، إن حجم الاستثمارات...

تحالف “حسن علام أوراسكوم” ينفذ خط مياه العاصمة الإدارية بـ15 مليار جنيه

كتب محمد رمزي تستعد شركة حسن علام القابضة لبدء تنفيذ...

منطقة إعلانية