ملفات

«متحور دلتا» يهدد تعافى الاقتصاد العالمى

دلتا

عاد جزء كبير من أستراليا إلى حالة الإغلاق اللازم للتصدى لتفشى جائحة كورونا، وانطلقت فعاليات دورة ألعاب أولمبياد طوكيو، مؤخراً، وسط حالة طوارئ، فى حين اضطرت هولندا لإعادة فرض قيود على المقاهى والحانات والحياة الليلية.

كما تحطمت آمال إسبانيا فى إعادة إنعاش السياحة، ويجب على الإيطاليين إظهار بطاقة صحية إذا كانوا يريدون مشاهدة فيلم أو السباحة، بعد أن حذا رئيس الوزراء ماريو دراجى حذو فرنسا، واتخذ خطوات لحث الناس على تلقى اللقاح.

وأسهمت عودة القيود غير المرحب بها فى زراعة مخاوف جديدة فى أذهان المستثمرين، وهى إمكانية تسبب الانتشار السريع لمتحور دلتا فى إيقاف الانتعاش العالمى بشكل كبير.

قبل ثلاثة أسابيع تقريباً، كانت الأسواق تركز على مخاطر التوسع غير المستدام للاقتصادات الذى يؤدى إلى زيادة التضخم، ما زاد الضغط على صناع السياسات للتفكير فى سحب مبكر لإجراءات التحفيز المالى المرتبط بالجائحة، لكنه بدأ بعمليات بيع كبيرة فى أسواق الأسهم العالمية قبل بضعة أيام؛ حيث تزايدت المخاوف من انتشار متحور دلتا.

وشهد السوق العالمى تغيرات سريعة لدرجة أن أى شخص كان يتابع تقلبات السوق، خلال الفترة الأخيرة، قد عانى من الآلام، حسبما ذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية.

وكتب أجاى راجادياكشا، المحلل فى بنك «باركليز»: «مع انتشار (متحور دلتا)، يبدو أن السرد قد تغير من انظر إلى كيف يسجل التضخم ارتفاعاً إلى انظر إلى كيفية تباطؤ النمو».

فى الوقت نفسه، يقول ألان روسكين، كبير الاستراتيجيين الدوليين فى «دويتشه بنك»، إنَّ الوضع أظهر مرونة طلب المستثمرين على الأصول الخطرة، لكنه أحبط، أيضاً، وجهة النظر الجماعية السابقة القائلة، إنَّ العالم سينتعش بطريقة متزامنة.

وذكرت الصحيفة، أنَّ الارتفاع الحاد فى حالات الإصابة بمتحور دلتا الجديد أعاد المخاوف المتعلقة بالصحة العامة إلى الواجهة تماماً، كما بدا أن نهاية الوباء قد تكون وشيكة بالنسبة لبعض الدول، مع اضطرار الحكومات حول العالم إلى التوقف تماماً أو عكس خطط إعادة فتح اقتصاداتها.

ويقول جريجورى داكو، كبير الاقتصاديين فى شركة «أكسفورد إيكونوميكس»: «إنها مخاطرة نركز عليها أكثر فأكثر».

وحذر من احتمالية أن يؤدى ذلك إلى انتعاش عالمى غير متساوٍ، مع احتمالية تراجع بعض الاقتصادات فى بيئة من القيود الاجتماعية المشددة وتدابير التباعد الاجتماعى.

وقد عكست كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزى الأوروبى، هذا القلق حينما قالت إن «متحور دلتا» كان «مصدراً متنامياً للشكوك»، وقدمت تعهداً جديداً من قبل البنك المركزى الأوروبى بأن يكون أكثر تسامحاً مع التضخم قبل رفع أسعار الفائدة.

واستطاعت المملكة المتحدة إثبات أنه حتى مع المعدلات العالية لمتلقى اللقاح والقرار السياسى بتحمل معدلات عالية من العدوى، لا توجد طريقة سهلة لتجنب الاضطراب الاقتصادى إذا ما استحكم متحور دلتا.

ومع انتهاء قوانين التباعد الاجتماعى فى البلاد فى الفترة الأخيرة، وجد مئات الآلاف من العاملين أنفسهم مجبرين على ملازمة المنزل لعزل أنفسهم بعد اختلاطهم مع شخص ثبتت إصابته بالفيروس، تاركين الحكومة تجاهد لتفادى إغلاق الخدمات العامة.

ومع ذلك، رغم الخطر المتزايد الذى يشكله متحور دلتا على التوقعات العالمية، يعتقد صناع السياسة والاقتصاديون أن تأثيره من المرجح أن يثبط الانتعاش فى الاقتصادات الكبرى بدلاً من أن يعرقل مساره؛ حيث أضعفت برامج التطعيم علاقة الترابط بين العدوى وحالات دخول المستشفيات.

تقول جينيفر ماكيون، من «كابيتال إيكونوميكس»، إنَّ هناك بعض العلامات على أن الناس أصبحوا أكثر حذراً بشأن الخروج فى المملكة المتحدة- مع تباطؤ الاتجاه المتزايد لرحلات التسوق والترفيه والعمل الذى يشجعه الرفع التدريجى للقيود- حيث يحاول الناس تفادى ملازمة المنزل الإجبارية تماماً.

وتشير نتائج الدراسات الاستطلاعية، أيضاً، إلى أن النقص فى الموظفين والمواد بدأ يؤثر على النشاط الاقتصادى، لكن حتى فى المملكة المتحدة، لا يزال المستهلكون ينفقون والشركات ما زالت تتدافع من أجل توظيف العاملين. وفى منطقة اليورو، نمت معدلات النشاط الاقتصادى عند أسرع معدلاتها منذ 21 عاماً فى شهر يوليو؛ حيث استمرت العديد من الدول فى رفع قيود كوفيد- 19.

كما أن انتشار حالات الإصابة الجديدة لم يؤدِ إلى إضعاف ثقة المستهلكين.

قالت «لاجارد»، إنَّ استطلاعات الأعمال والبيانات الثابتة أكدتا توقعات البنك المركزى الأوروبى لشهر يونيو، والتى افترضت أن بعض إجراءات الإغلاق سوف تستمر حتى نهاية العام.

كما أنها كتبت على موقع التغريدات القصيرة (تويتر): «انتعاش منطقة اليورو يسير على الطريق الصحيح، لكننا لم نخرج بعد من الأزمة».

تركيز التضخم فى الولايات المتحدة

لاتزال مخاوف التضخم المفرط سائدة فى الولايات المتحدة، لكن البلاد لديها حاجز وقاية كبير لامتصاص ضربة كورونا الجديدة دون الوقوع فى ركود جديد.

وتوقع مسئولو البنك الاحتياطى الفيدرالى فى يونيو أن ينمو الناتج المحلى الإجمالى للبلاد بنسبة %7 هذا العام، مع انخفاض معدل البطالة بحلول نهاية 2021 إلى %4.5، وذلك بعد أن اقترب من %15 عند ذروة الوباء.

يقول جيسون فورمان، الأستاذ فى جامعة هارفارد، المستشار الاقتصادى للرئيس الأمريكى السابق باراك أوباما، من الصواب القلق بشأن متحور دلتا، لكن لا ينبغى أن يغير مشهد الاقتصاد الكلى.

ويعتقد «فورمان»، أن هذا يرجع إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالعدوى فى الولايات المتحدة- الذين اختاروا عدم تلقى اللقاح- هم أيضاً الأقل احتمالاً لتغيير سلوكهم، مضيفاً أن الولايات الأكثر حاجة لقواعد التباعد الاجتماعى الجديدة هى الولايات صاحبة معدلات التطعيم المنخفضة وهى الأقل احتمالاً لتطبيق هذه القواعد.

مع ذلك، حتى فى الاقتصاد الأمريكى المزدهر؛ حيث تتضح ضغوط الأجور بشكل متزايد، فإنَّ انتشار متحور دلتا قد يجعل واضعى أسعار الفائدة الفيدرالية أكثر حذراً بشأن الإنهاء المبكر لإجراءات التحفيز.

إذا تدهور وضع كورونا بشكل أكثر فى الأشهر المقبلة، فإنَّ هذا الأمر سيشكل معضلة كبيرة بالنسبة لصناع السياسات فى الولايات المتحدة، لأنهم كانوا يتجهون نحو إزالة التحفيز المالى والنقدى، بدلاً من الحفاظ عليه أو حتى تعزيزه.

وحذر بعض مسؤولى «الاحتياطى الفيدرالى» من أن البنك المركزى يحتاج إلى أن يتكيف مع خطر الانتكاسة الاقتصادية الناجمة عن تفشى الجائحة الجديدة.

فقد قالت مارى دالى، رئيسة الاحتياطى الفيدرالى بسان فرانسيسكو، فى تصريحات إلى «فاينانشيال تايمز» فى أوائل يوليو: «أعتقد أن إحدى أكبر المخاطر على النمو العالمى فى المستقبل هو أن نعلن الانتصار المبكر على كوفيد».

رياح معاكسة قوية

يؤدى انتشار متحور دلتا، أيضاً، إلى تعقيد النقاش السياسى فى الدول الأخرى. ففى المملكة المتحدة، على سبيل المثال، فاجأت القوة الأخيرة للتضخم بنك إنجلترا، ما دفع واضعى أسعار الفائدة إلى التلميح إلى أنهم قد يصوتون من أجل إنهاء مبكر للتسهيل الكمى.

لكنَّ آخرين فى لجنة السياسة النقدية تبنوا وجهة نظر أكثر دقة- بمن فيهم العضو الخارجى جوناثان الذى قال إن العودة إلى السياسة المتشددة أمر ليس صحيحاً فى الوقت الحالى؛ لأن الاقتصاد واجه رياحين معاكستين، وهما «متحور دلتا واسع الانتشار وتشديد الموقف المالى».

وبرغم التوقعات سريعة التحسن فى منطقة اليورو، ليس هناك أى ضغط فورى لتشديد السياسة. حيث تظهر توقعات البنك المركزى الأوروبى أن التضخم لا يزال أقل من النسبة المستهدفة الجديدة والأكثر طموحاً والتى تبلغ %2 بحلول نهاية عام 2023.

وعلى النقيض من التقلبات فى أماكن أخرى، شهدت آسيا مستوى ضئيلاً نسبياً من التقلبات فيما يتعلق بالتوقعات الاقتصادية، حتى عندما ترسخ متحور دلتا فى بعض الدول.

كما أن البداية البطيئة نسبياً للتطعيم، بجانب حزم التحفيز المالى الأصغر حجماً، تعنى أنه لم تكن هناك لحظة مماثلة بدا فيها الانتعاش المزدهر وزيادة الطلب على العرض أمراً ممكناً.

رغم الحديث عن حقبة تضخمية عالمية جديدة، فإنَّ بنك اليابان، على سبيل المثال، لن يصل إلى هدف التضخم البالغ %2 فى المستقبل القريب، وبالتالى لن ترتفع أسعار الفائدة.

وفى الواقع تضاءلت توقعات انتعاش الاقتصادى اليابانى مع ارتفاع حالات الإصابة بكوفيد- 19، وهو الأمر الذى قاد الحديث عن جولة جديدة من التحفيز المالى.

كما أن الاقتصاديين أقل تفاؤلاً بشأن التوقعات الخاصة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى؛ حيث تأخرت حملات التطعيم- من بينها أستراليا ونيوزيلندا- ويتسابق صناع السياسات الآن فى نشر حملات التطعيم قبل أن يتفوق عليهم متحور دلتا الأشد فتكاً.

كانت سياسة الصين بعدم التسامح مطلقاً مع عدوى فيروس كورونا سبباً فى بدء تعافيها الاقتصادى قبل وقت طويل من الولايات المتحدة، لكنها تواجه الآن عقبات كبيرة أمام إعادة فتح البلاد بشكل كامل.

ويأتى ذلك لأن السلطات تفرض قيوداً على السفر أو تغلق الأحياء كلما ظهرت حالات إصابة جديدة.

يقول لارى هو، الخبير الاقتصادى فى مجموعة «ماكوارى»، إنَّ هذا يؤثر سلباً على الاستهلاك لأنه من الصعب عملياً على الصين إبقاء حالات الإصابة بالفيروس عند الصفر.

ورغم أن النمو فى الربع الثانى فاق توقعات معظم الاقتصاديين، فإنَّ بكين حذرت من انتعاش غير متوازن، ومن المخاطر الناجمة عن متحورات كوفيد- 19.

ويشير محللون إلى معوقات أخرى للنمو، بما فى ذلك النقص العالمى فى الرقائق، وارتفاع مخاطر الائتمان المحلى، وانخفاض الاستثمار فى البنية التحتية المدعومة من الدولة، وحظر الإدارة الأمريكية الاستثمار فى التكنولوجيا الصينية.

ومع ذلك، فإنَّ الاقتصادات الناشئة فى آسيا وأفريقيا هى الأكثر عُرضة إلى حد بعيد لانتشار متحور الدلتا، حيث ترتفع معدلات الوفيات إلى أعلى مستوياتها منذ بداية الوباء، ولدى صانعى السياسات قدرة محدودة إما على فرض عمليات إغلاق جديدة وإما دعم النمو.

وسلطت جيتا جوبيناث، كبيرة الاقتصاديين فى صندوق النقد الدولى، الضوء مؤخراً على «الاختلاف الكبير» بين الاقتصادات المتقدمة وعديد من الدول الناشئة والنامية التى تعانى محدودية الوصول إلى اللقاحات وتضاؤلاً فى الدعم المالى السريع، وتواجه بالفعل ارتفاعاً سريعاً فى أسعار الفائدة؛ نتيجة أحاديث عن خروج الاحتياطى الفيدرالى تدريجياً من برامج التحفيز المالى.

كذلك، تجادل كاترين مان، التى انضمت مؤخراً إلى لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزى البريطانى، بأن الحظوظ المتباينة للاقتصادات المتقدمة، وحتى الانقسامات الأكثر حدة بين الاقتصادات الناشئة، تجعل الانتعاش العالمى أكثر هشاشة، وهو ما توحى به التوقعات الرئيسية.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

ميركل .. “النادلة” التي صنعت أقوى اقتصاد في أوروبا

يصوت المواطنون الألمان اليوم الأحد، في انتخابات تشريعية محتدمة يختارون...

منطقة إعلانية