مقالات

روسيا تثبت أن العقوبات أداة واهنة

عادت العقوبات إلى التداول فى نشرات الأخبار من جديد، حيث شددت الولايات المتحدة القيود المفروضة على صادرات البترول الإيرانى، وتعرض اقتصاد إيران بالفعل للانكماش بسبب سنوات العزلة والتضخم الآخذ فى الارتفاع، وهذا وفقاً لما قاله صندوق النقد الدولى الأسبوع الماضى، ومع ذلك، يوجد ما يبرر بعض الشكوك حول ما إذا كانت الإجراءات المشددة فعالة أم لا؟
ويمكنك فقط النظر إلى ما حدث أو لم يحدث نتيجة العقوبات الأمريكية المشددة المفروضة على روسيا، فأى شخص يعتقد أن نظام العقوبات يمنع التجارة ويجعل الرئيس فلاديمير بوتين يجثو على ركبتيه يجب أن ينظر إلى سوق الغاز العالمى.
فعلى الرغم من العقوبات التى فرضت بعد ضم شبه جزيرة القرم والتدخل فى السياسة الأمريكية ومحاولة قتل العميل المزدوج الروسى السابق سيرجى سكريبال وابنته فى بريطانيا، تواصل روسيا تعزيز قدراتها للحفاظ وتعزيز سيطرتها على الغاز عندما يصبح السوق أكثر تنافسية.
وكانت تشريعات العقوبات التى أقرتها الولايات المتحدة عام 2017 هى الأحدث فى سلسلة تصعيد العقوبات خلال الخمسة أعوام الماضية، حيث تهدف إلى إجبار موسكو على قبول المعايير الدولية، وفى سبتمبر الماضى، تحدث وزير الداخلية السابق ريان زينك عن حظر تصدير الغاز الروسى، كما قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إن مشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» المخصص لنقل إمدادات الغاز عبر بحر البلطيق من روسيا إلى ألمانيا كان غير مناسب ويشكل تهديداً لحلف شمال الأطلسى «الناتو».
ومع ذلك لم يعير الروس وحلفاؤهم الأوروبيون تلك التصريحات أى اهتمام، فعمليات بناء خط «نورد ستريم 2» سيتم الانتهاء منها فى الموعد المحدد أى بحلول نهاية العام الجارى ومن المتوقع بدء تدفق الإمدادات فى غضون أشهر لتصل إلى 55 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2020.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يبدأ مشروع «تركيش ستريم»، الذى سينقل الغاز من روسيا إلى الساحل التركى فى «كييكوى» وإلى الحدود الأوروبية، فى العمل خلال العام الجارى، دون أن يتأثر بالعقوبات أو اعتراضات الولايات المتحدة.
وفى الوقت نفسه، يزداد دور روسيا فى سوق الغاز العالمية إلى خارج الحدود الأوروبية أيضاً، حيث من المقرر تشغيل خط أنابيب «باور أوف سيبيريا» الممتد من «كوفيكينسكوى» إلى «بلاغوفيشتشينسك» الروسية الواقعة على الحدود الصينية بحلول ديسمبر المقبل، كما بدأ العمل فى المرحلة الأولى من مشروع الغاز الطبيعى المسال المخطط له منذ فترة طويلة والمصمم لتوفير طريق تصدير للغاز من شبه جزيرة «يامال» فى شمال روسيا العام الماضى، وهناك تطور ثان متوقع وهو نقل الغاز إلى السعودية وتمويلها له.
ووفقاً لمذكرة موجزة أصدرها مركز دراسات الطاقة بجامعة كولومبيا، تخطط شركة «نوفاتك» الروسية لرفع قدرتها التصديرية إلى 70 مليون طن سنويا بحلول عام 2030، وتكمن ميزة النهج الذى يتبعه بوتين بسوق الطاقة فى جذب الشركاء الدوليين إلى البنية التحتية المرتبطة بكل مشروع، مما يخلق حافز للمستوردين للتشبث بالموردين حتى فى ظل التقلبات السوقية، وهو ما يعنى أن روسيا بإمكانها تجنب حروب الأسعار الشرسة.
وستكون هذه الميزة هامة بشكل خاص فى السوق الأوروبية، حيث انخفض الطلب على الغاز خلال العقد الماضى وتعرض للتهديد نتيجة الانتشار المتزايد للطاقة المتجددة، فأحدث أهداف الاتحاد الأوروبى تشير إلى أن مصادر الطاقة المتجددة ستوفر نحو ثلث الطاقة الكهربائية فى أوروبا بحلول بداية أعوام 2030، بينما سيوفر الغاز الجزء المتبقى، ولكن المنافسة على توفيره ستكون كبيرة.
وفى ظروف كهذه، لن يستفد أياً من منتجى الغاز الآخرين، على سبيل المثال الولايات المتحدة أو قطر أو مصر، بأعمال البنية التحتية، مثل شبكة خطوط الأنابيب التى يتم إنشاؤها بين روسيا وأوروبا.
ومن الواضح أن مخاطر أمن الطاقة ليست كافية لردع المستهلكين، خاصة الألمان، عن شراء المزيد من الغاز، فربما يفكرون، لسبب ما، فى أن روسيا فى حد ذاتها تعتمد على بيع الغاز ولا يمكنها أبداً التلاعب السياسى بالإمدادات، حتى عندما تكون العلاقات تحت الضغط.
وبالطبع، يعتبر الوضع الإيرانى مختلفاً، فاعتماد إيران على عائدات البترول أكبر من اعتماد روسيا على مبيعات الغاز، كما أن الاقتصاد الإيرانى أضعف وأكثر عرضة للتضخم، ولكن العقوبات الأمريكية لن تنجح إلا إذا حازت على الدعم الكامل من جميع شركاء إيران التجاريين، بما فى ذلك الصين والهند وتركيا.
وفى الوقت نفسه، ستلتزم الشركات الأوروبية بنص تشريعات العقوبات خوفاً من اتخاذ الولايات المتحدة أى تدبير ضدهم، ولكن بدعم من حكوماتها ستستمر تلك الشركات فى إقامة الجسور مع طهران فى صمت تام على أمل الدخول مستقبلاً إلى السوق الإيرانى.
ويشير الافتقار للدعم إلى أن العقوبات المفروضة على إيران ستكون مزعجة وليست حاسمة، حيث يتطلب تغيير سياسة البلاد أو تغيير النظام فى الواقع، إلى تدخل مباشر وقوى على نحو كبير، ولكن لا يوجد أى مؤشر على ذلك رغم مخاطر إمكانية اتخاذ طهران لإجراءات انتقامية من شأنها إلحاق الضرر بمصالح الولايات المتحدة وحلفائها فى المنطقة، وربما تعانى إيران، ولكنها ستحتفظ بالقدرة على إغلاق مضيق هرمز، الذى يعرف بأنه الطريق التجارى الرئيسى للبترول القادم من جميع أنحاء دول الخليج، وكما تُظهر روسيا، من المحتمل أن تكون العقوبات فقط مجرد مثالاً على الحدود الحالية للقوة الأمريكية.

بقلم: نيك بتلر
الأستاذ الزائر فى معهد السياسات بكلية كينجز لندن

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

«شريف مجدى» يؤسس «زا هد هنتر» لخدمات تعهيد إدارة الموارد البشرية

أطلق شريف مجدى، مدير إدارة الموارد البشرية السابق  بشركة «بلتون...