ملفات

هل بات من السهل تجنب العقوبات الاقتصادية؟

البنك الدولى

لم يخضع اقتصاد فى حجم روسيا منذ الثلاثينات لطائفة واسعة من القيود التجارية كتلك التى تم فرضها بسبب الغزو الروسى لأوكرانيا. ولكن على عكس إيطاليا واليابان فى الثلاثينات، تعد روسيا فى الوقت الحالى من كبار مصدرى النفط والحبوب وغيرهما من السلع الأولية الأساسية الأخرى، كما أصبح الاقتصاد العالمى أكثر تكاملا إلى حد كبير. ونتيجة لذلك، أصبح للعقوبات حاليا تداعيات اقتصادية عالمية أكبر كثيرا مما عهدناه من قبل.

وفى العدد الأخير لمجلة التمويل والتنمية، كتب نيكولاس مولدر، الأستاذ المساعد فى التاريخ الأوروبى الحديث بجامعة كورنل، أنه ينبغى أن يكون حجم هذه العقوبات دافعا لإعادة النظر فى مفهوم العقوبات كأداة قوية من أدوات السياسات لما ينشأ عنها من تداعيات اقتصادية عالمية ملموسة.

أضاف أنه بالرغم من ذلك فإن العقوبات ليست هى المصدر الوحيد للاضطرابات التى يشهدها الاقتصاد العالمى. فقد سجلت أسعار الطاقة ارتفاعا مستمرا منذ العام الماضى بسبب فرط الأعباء المفروضة على سلاسل الإمداد الذى أدى بدوره إلى إعاقة مسار التعافى من الجائحة. كذلك ارتفعت الأسعار العالمية للغذاء بنسبة %28 عام 2020 و%23 عام 2021، كما سجلت زيادة حادة قدرها %17 هذا العام خلال الفترة ما بين فبراير ومارس فقط. ونتجت عن الحرب أضرار مباشرة فى أوكرانيا أيضا، حيث أدت إلى غلق الموانئ الوطنية المطلة على البحر الأسود، مما منع أوكرانيا من تصدير القمح والذرة وزيت عباد الشمس ومجموعة من السلع الأخرى.

وأدت صدمتان أكثر حدة إلى تفاقم الآثار الناجمة عن انقطاع الإمدادات من أوكرانيا: العقوبات التى فرضتها على روسيا 38 حكومة فى أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا، واستجابة الشركات والبنوك العالمية لتلك التدابير. وساهم هذا الكم الهائل من القيود القانونية والتجارية والمالية والتكنولوجية فى فرض معوقات حادة أمام نفاذ روسيا إلى الاقتصاد العالمى، كما أحدث زيادة كبيرة فى أعداد السلع الأولية التى تتوفر بالبلدين والتى لم يعد لوصولها إلى الأسواق العالمية سبيل.

وقد اقترنت هذه العقوبات الكاسحة ضد روسيا بالأزمة فى سلاسل الإمداد العالمية والاضطرابات التى تشهدها أوكرانيا بسبب الحرب، مما تسبب فى صدمة اقتصادية قوية غير مسبوقة. وسيؤدى فرض عقوبات إضافية على صادرات النفط والغاز الروسية إلى تفاقم هذه التداعيات.

فئة مختلفة

ويقول مولدر إن حجم العقوبات يصبح ضد روسيا أكثر وضوحا بالنظر إلى التاريخ الاقتصادى على مدار القرن الماضى. فحتى العقوبات الأكثر حدة خلال فترة الحرب الباردة، مثل العقوبات التى فرضتها منظمة الأمم المتحدة والبلدان الغربية ضد روديسيا (زمبابوى حاليا) وضد جنوب إفريقيا فى عهد الفصل العنصرى، أو العقوبات الأمريكية على كوبا وإيران، لم تستهدف الاقتصادات الكبرى. وبعض العقوبات المفروضة حاليا – لا سيما ضد إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا – يعد أكثر صرامة مقارنة بالعقوبات ضد روسيا، وإن كان وزن هذه البلدان أقل كثيرا سواء فى الاقتصاد العالمى أو التجارة الدولية.

ويعد تأثير العقوبات ضد روسيا من فئة مختلفة تماما. فروسيا تأتى فى المرتبة الحادية عشرة ضمن أكبر اقتصادات العالم، كما أن دورها كأحد مصدرى السلع الأولية الرئيسيين فى مجموعة الأسواق الصاعدة يضفى أهمية هيكلية على مركزها. ووحدها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا فى مجموعة الاقتصادات المتقدمة هى التى تملك بصمة مماثلة فى الاقتصاد العالمى والزراعة وأسواق المعادن. ومنذ نهاية الحرب الباردة أيضا، وبفضل جهود تعزيز التكامل خلال ما يزيد على عقدين، أصبحت روسيا من الاقتصادات شديدة الانفتاح، حيث سجلت نسبة التجارة إلى إجمالى الناتج المحلى لديها %46 حسب البيانات الصادرة عن البنك الدولى. وضمن مجموعة الأسواق الصاعدة السبع الكبرى، تفوقت المكسيك وتركيا وحدهما على هذه النسبة فى عام 2020 (%78 و%61).

وفترة الثلاثينات هى العقد الوحيد خلال القرن الماضى الذى شهد عقوبات مماثلة ضد دول من الوزن نفسه فى الاقتصاد العالمى. فخلال ستة أسابيع من غزو بينيتو موسيلينى لإثيوبيا فى أكتوبر 1935، فرضت عصبة الأمم مجموعة من العقوبات ضد إيطاليا، وهى ثامن أكبر اقتصاد على مستوى العالم. واشتركت فى تنفيذ العقوبات 52 دولة من الدول ذات السيادة التى بلغ عددها آنذاك 60 دولة.

وفى أواخر الثلاثينات، كانت اليابان سابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم وأحد البلدان التجارية التى فاقت إيطاليا فى انفتاحها. وخلال الفترة ما بين صيف 1939 وأغسطس 1941، اتفق عدد متزايد من الدول الغربية الراغبة فى كبح الغزو اليابانى للصين على فرض عقوبات أدت تدريجيا إلى تراجع عدد الشركاء التجاريين. ومع بداية الحرب العالمية الثانية، فرضت الإمبراطورية البريطانية ومستعمراتها وغيرها من الأراضى الواقعة تحت سيادتها قيودا على صادرات المواد الخام الاستراتيجية وجعلت الأولوية لاستخدامها بين الأراضى التابعة للإمبراطورية، وصعدت الولايات المتحدة تدابيرها الاقتصادية تدريجيا وصولا إلى فرض حظر كامل على النفط فى نهاية المطاف، وذلك بالاشتراك مع الإمبراطورية البريطانية وهولندا. وبينما تحملت إيطاليا وطأة الحظر المفروض على صادراتها والذى أدى إلى الحد من قدرتها على كسب النقد الأجنبى، تعرضت اليابان لضربة أكثر حدة نتيجة تجميد أصولها الأجنبية ومنعها من الحصول على واردات حيوية من شريكها التجارى الرئيسى الوحيد المتبقى، لكن كل ذلك لم يكن له تأثير كبير على الاقتصاد العالمى بسب ضعف الروابط التجارية وانتشار الاكتفاء الذاتى.  

ويضيف أن التجارة العالمية إلى إجمالى الناتج المحلى أعلى كثيرا فى الوقت الحالى، مدعومة بنظام مالى عالمى قائم على الدولار يتسم بدرجة كبيرة من التكامل. وبدلا من انخفاض الأسعار، تشهد الأسواق العالمية فى الوقت الحالى ضغوطا تضخمية هائلة. وتنشأ عن ارتفاع أسعار السلع الأولية أرباح استثنائية فى البلدان المصدرة، بينما تشجع الاقتصادات المستوردة للطاقة على التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة. وفى الوقت نفسه، ازداد التكامل بين الأسواق المالية، مما يجعل التدفقات الرأسمالية من الاقتصادات المتقدمة عاملا أساسيا للنمو والاستثمار فى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وبفضل هذا التعاضد، يتمتع الاقتصاد العالمى فى الوقت الحالى بمكاسب هائلة، حيث تتيح التجارة فرص عمل لنسبة أكبر من القوة العاملة، وأصبح بالإمكان الحصول على الواردات من عدد أكبر من المصادر. ولكنه يواجه مخاطر متزايدة نظرا لإمكانية اختناق النقاط المحورية فى تدفقات السلع الأولية والمعاملات المالية والتكنولوجيا بسبب المشكلات التى تواجه سلاسل الإمداد، أو استهدافها من خلال العقوبات الحكومية.

التكلفة مقابل المخاطر

نتيجة لهذه التغيرات، يمكن أن تتسبب العقوبات حاليا فى خسائر تجارية أكبر من أى وقت مضى، وإن كان يمكن التخفيف من وطأتها من خلال تحويل مسار التجارة أو العزوف عنها. وفى الوقت نفسه، لا تشكل العقوبات فى العصر الحديث تهديدا مباشرا بقدر ما كان عليه الحال فى الثلاثينات، وهكذا فقد أدت العولمة خلال القرن الحادى والعشرين إلى زيادة التكلفة الاقتصادية لاستخدام العقوبات ضد الاقتصادات الكبرى التى تتمتع بقدر كبير من التكامل فيما بينها، كما أتاحت لهذه البلدان فرصة أكبر للثأر من خلال الروابط الاقتصادية والتكنولوجية بدلا من التدخل العسكرى. وإجمالا، تغيرت طبيعة العقوبات من حيث المخاطر والتكلفة الناجمة عنها، بينما ظلت قنوات انتشارها كما هى – ارتفاع أسعار السلع الأولية وتكلفة المعاملات وزيادة اختناقات الإمداد والخسائر التجارية، وأصبحت تؤثر على المزيد من المواطنين حول العالم.
وسرعان ما تتضح فداحة التداعيات الناجمة عن العقوبات ضد بلدان الشريحة العليا من الاقتصاد العالمى. فبينما تختفى صادرات السلع الأولية الروسية من الأسواق العالمية بفعل العقوبات، ترتفع الأسعار مؤدية إلى ضغوط على فاتورة الاستيراد والموارد العامة المحدودة لدى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية المستوردة للسلع الأولية على أساس صاف. ومن غير المستغرب أن هذه البلدان نفسها لم تشارك فى تنفيذ العقوبات ضد روسيا نظرا لأنها الأكثر عرضة لأزمات ميزان المدفوعات إذا ما تم تشديد العقوبات على الصادرات الروسية لفترة مطولة.
ويمتلك صناع السياسات اليوم جميع الأدوات اللازمة لتجنب تكرار ما حدث خلال الثلاثينات. فالاقتصادات المتقدمة تمتلك مجموعة أفضل من أدوات سياسة المالية العامة عما كان عليه الحال فى مطلع القرن العشرين، وحيزا ماليا أكبر مقارنة باقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ويواجه العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية مزيجا من الأعباء الملحة: ارتفاع الديون، وزيادة تكلفة التحول إلى الطاقة المتجددة، والنمو المستمر فى أسعار الفائدة، وحالة الكساد التضخمى العالمية. وعلى مجموعة السبعة والحكومات الأوروبية التى شاركت فى تنفيذ العقوبات اتخاذ خطوات جادة نحو تقديم الدعم الاقتصادى لهذه الاقتصادات.
فالتحرك المشترك فى مواجهة تداعيات العقوبات ضد روسيا سيصب فى صالح رفاهة سكان العالم واستقرار الاقتصاد العالمى. وللمساعدة فى هذا الصدد، يمكن اتخاذ عدد من الخطوات لتصحيح مسار السياسات. أولا، ينبغى أن تركز الاقتصادات المتقدمة على الاستثمارات طويلة الأجل فى البنية التحتية للحد من الضغوط المفروضة على سلاسل الإمداد، بينما ينبغى إيلاء الأولوية لدعم الدخل فى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وثانيا، ينبغى أن تتجنب البنوك المركزية فى الاقتصادات المتقدمة التشديد السريع لسياساتها النقدية للحيلولة دون هروب رأس المال من الأسواق الصاعدة.
وثالثا، يمكن التصدى لمشكلات الدين وميزان المدفوعات التى توشك الاقتصادات النامية على مواجهتها من خلال إعادة هيكلة ديونها وزيادة مخصصاتها من حقوق السحب الخاصة التى يوفرها صندوق النقد الدولى والتى تعد أحد أشكال الاحتياطيات الدولية. ورابعا، ينبغى توفير الإغاثة الإنسانية، فى صورة أغذية وأدوية تحديدا، للاقتصادات التى تمر بأوضاع حرجة. وخامسا، ينبغى أن تقوم التكتلات الاقتصادية الكبرى حول العالم بالمزيد من أجل تنظيم الطلب على الغذاء والطاقة للحد من الضغوط السعرية الناجمة عن ممارسات الاكتناز والمزايدات التنافسية.
وما لم تطبق هذه السياسات خلال الأشهر القليلة التالية، سيكون ذلك دافعا لتنامى مخاوف عميقة بشأن آفاق عام 2022 وما بعده. وها هو الوقت قد حان للتفكير فى انعكاسات العقوبات على الاستقرار الاقتصادى العالمى لتتسنى مواجهة التدابير الاقتصادية القسرية التى أصبحت واقعا جديدا.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

آسيا .. الاستعداد لمواجهة نقص البترول والغاز

يتجه الركود غير المسبوق والذى لا رجعة فيه، فى القدرة...

منطقة إعلانية