مقالات

محمد العريان يكتب: كيف تحافظ أمريكا على انتعاشها الاستثنائى والطويل؟

سوف تظهر البيانات التى سوف تصدر خلال الأشهر القليلة المقبلة أن التوسع الاقتصادى الأمريكى الحالى هو الأطول على الإطلاق، ولكن رغم أن الولايات المتحدة تواصل التفوق على الاقتصادات المتقدمة الآخرى، لا يزال هذا النجاح لا يطرد شعور الأمريكيين المتواصل بعدم الأمان الاقتصادى والإحباط، ولا يهدىء المخاوف بشأن نقص المساحة السياسية للاستجابة إلى ركود اقتصادى أو صدمة مالية.

وبدأ التوسع الجارى فى منتصف 2009، بعد الازمة المالية العالمية فى 2008 و«الركود الكبير»، وبنى الاقتصاد، المدفوع بشكل أساسى بالتدخلات المالية الاستثنائية والسياسات النقدية التى لم تخطر على بال من قبل، أساسا كافيا لعودة ثقة القطاع الخاص وتعافى ميزانيات الشركات، وأدى التسارع فى التكنولوجيات الجديدة إلى قيادة شركات التكنولوجيا لهذه التوسع القائم على اقتصاد الأعمال الحرة، وتلقى هذا التوسع دفعة اخرى من خلال التدابير الداعمة للنمو بما فى ذلك تخفيف التنظيمات والتخفيضات الضريبية.

ومع بلوغ معدل البطالة فى الولايات المتحدة 3.6%، تنمو الأجور الحقيقية الآن بنسبة 1.6%، ومع إشارة أحدث البيانات الربعية إلى نمو فى الناتج المحلى الإجمالى السنوى بنسبة 3.1%، فإن النشاط الاقتصادى الأمريكى يواصل التفوق على أوروبا واليابان بهامش كبير، وبفضل هذه القوة، أصبحت أمريكا أكثر إصرارا على تحقيق أهدافها الوطنية بالخارج، بما فى ذلك إبطال آليات التعاون وحل النزاعات القائمة منذ وقت طويل، والتهديد بفرض تعريفات على الواردات واتخاذ غير ذلك من التدابير الحمائية.

وللوصول إلى هذه المرحلة، كان على أمريكا مواجهة رياح معاكسة من الخارج، بما فى ذلك أزمة الديون الوجودية فى أوروبا وتباطؤ النمو الاقتصادى فى الصين، ومحليا، ادى الاستقطاب السياسى العميق إلى ازدياد النشاط التشريعى فى الكونجرس، ما هدد بعدة إغلاقات حكومية بجانب وقوع واحد بداية العام الجارى، وفى غياب التدابير الداعمة للنمو من قبل الكونجرس، أصبح التركيز على السياسة النقدية، وبعد إجبار الفيدرالى على توسيع دوره بقدر كبير فى الاقتصاد خلال سنوات الأزمة، ارتكب بعض الأخطاء السياسية الكبيرة، وأصبح أكثر عرضة للتدخل السياسى.

ونظرا لأن النمو السنوى خلال العقد الماضى كان عادة بطيئا وغير شامل بما يكفى، كان هناك شعورا بأن أداء الاقتصاد الأمريكى يتسم بضعف كامن، ووفقا لاحدث تقارير الفيدرالى، قالت نصف الأسر الأمريكية تقريبا أنهم لا يملكون مدخرات كافية لتغطية أى مصاريف طارئة فوق 400 دولار.

ولا عجب إذن إن الثقة فى المؤسسات وآراء الخبراء لا تزال ضعيفة، وبجانب عدم المساوة المفرطة (فى الدخل والثروة والفرص)  لا يزال الإحباط والغضب السياسى عاليا، وما يزيد الطين بله أن التخويف بشأن تداعيات التكنولوجيا والعولمة تواصل إشعال المخاوف بشأن الاضطرابات فى سوق الوظائف وإحلال الروبوت.

وخارج الولايات المتحدة، بدأ الكثيرون يقلقون من أن القوة العظمى المسئولة عن إصدار عملة الاحتياطى العالمى، والتى تلعب دورا حاسما فى الكثير من التفاعلات متعددة الأطراف، لم تعد مرساة موثوقة ومتوقعة للتجارة والتمويل الدوليين.

وعلاوة على ذلك، وعلى عكس التوسعات السابقة، لا يزال يتعين على الولايات المتحدة بناء دعامات كافية للتعامل مع أى تحديات اقتصادية أو مالية مستقبلة.

وأصبحت قدرة الفيدرالى على مكافحة فترات الركود الاقتصادى محدودة، وبينما تقف الفائدة الرسمية عند %2.25 و%2.5، فإن فترات الركود السابقة تطلبت خفض الفائدة بمقدار %5 أو اكثر، كما أن الفيدرالى يمتلك ميزانية متضخمة وآلية ضعيفة نسبيا لنفاذ تدابير السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقى،

وحتى إذا أصبح صناع السياسة المالية أكثر استجابة، فسوف يبدأون من نقطة تتسم بالارتفاع النسبى فى العجوزات والديون.

وسوف يتطلب استمرار التوسع الجارى عناية كبيرة، ويتعين على صناع السياسة، خاصة الكونجرس، تجنب الأخطاء الكبيرة وتقليص مخاطر اضطرابات السوق للحد الأددنى، وفى نفس الوقت فعل المزيد لتعزيز النمو، وتحتاج الولايات المتحدة نهج يستهدف تحديث وتحسين بنيتها التحتية.

ويتيعن على صناع السياسة كذلك، والاقتصاديين الرائدين، أن يكونوا أكثر حساسية تجاه تقاسم ثمار النمو الاقتصادى، وينبغى أن يكون هناك حماية أفضل للفئات الأكثر ضعفا فى المجتمع، أما الشركات تحتاج القيام بالمزيد تجاه مسئولياتهم المجتمعية، وأيضا محاولة تجنب انتهاء الحال بهم مثل البنوك بعد أزمة 2008، وهناك فعلا أصوات متزايدة تنادى بالمزيد من القيود التنظيمية على كبار شركات التكنولوجيا.

وعلاوة على ذلك، وبعد زلزلتها للتجارة العالمية، تحتاج الولايات المتحدة أن تضمن أنها سوف تظل مرساة النظام العالمى القائم على القواعد، وإلا ستضعف قدرتها على توجيه والتأثير على النتائج المالية والاقتصادية حول العالم.

وسوف تحتفل الولايات المتحدة قريبا بأطول توسع لها، ولكنها ينبغى ألا تغض الطرف عن التحديات المتبقية، وأخر ما يريده العالم اليوم هو أن ينتهى توسع اليوم بفترة طويلة من النمو الأضعف، وعدم الاستقرار المالى العالم، وتوترات أكبر بين الحدود.

الأكثر مشاهدة

نمو الاقتصاد المصرى .. نظرة تحليلية

«فوكس إيكونوميكس»: الاستثمارات ستلعب دوراً كبيراً فى النمو خلال العام...

الدين العالمي = 246 تريليون دولار تمثل 320%من اقتصاد العالم

أمريكا والصين تستحوذان على 43.5% من الدين العالمي ارتفع الدين...