مقالات

انخفاض أسعار البترول قد يكون قصير العمر

مع اجتياح أزمة الطاقة لأوروبا، قدمت أسواق البترول العالمية ارتياحاً ضئيلاً إذ انخفضت أسعار الخام رغم قلق المتداولين المتزايد بشأن الاقتصاد العالمى، لكن هذا التحول قد يكون قصير العمر.

وفى الوقت الحالى، يرحب زعماء العالم الذين يكافحون تضخماً مرتفعاً منذ عقود بالبترول الأرخص ثمناً، ولم يضيع الرئيس الأمريكى جو بايدن، الذى تقلصت أرقام تأييده مع ارتفاع أسعار البنزين قبل بضعة أشهر، الفرصة لإخبار الأمريكيين بأن رحلاتهم بالسيارات أصبحت أرخص مرة أخرى.

وتجنبت أسواق البترول السيناريوهات المروعة التى كان محللو الطاقة يحذرون منها قبل ستة أشهر فقط عندما بدت صدمة على غرار السبعينيات لا مفر منها، وأدى ارتفاع الطلب المتزايد بعد وباء كورونا إلى احتمال حدوث اضطراب جديد فى العرض.

وقال «جى بى مورجان» إن مزيج برنت قد يصل إلى 300 دولار للبرميل إذا أدت العقوبات الغربية على روسيا إلى إغلاق كبير لقطاع البترول فى البلاد، لكنه كان يتداول عند 99.72 دولارًا للبرميل، يوم الأربعاء، بانخفاض أكثر من %28 من أعلى مستوى سجله العام الجارى بالقرب من 140 دولارًا، والذى سجله فى الأيام التى أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا فى فبراير.

ولايزال يُدفع ثمن باهظ مقابل البترول، تقريباً ضعف متوسط السعر على المدى الطويل، ورقم أكثر من كافٍ لمواصلة المنتجين جنى الأرباح من تكساس إلى الكرملين، ومع ذلك، فإن صدمة الأسعار ليست كذلك.

لكن لا ينبغى لأحد أن يكون متفائلاً للغاية بشأن السوق الأكثر هدوءاً، ويمكن أن تنخفض أسعار البترول لأسباب وجيهة، مثل الإنجازات التكنولوجية التى تقلل الطلب أو تحرر المزيد من العرض، وكذلك لأسباب سيئة، مثل الركود، وسوق البترول حالياً ليس فى حالة جيدة.

فسعر اليوم لا ينخفض بسبب وفرة العرض، ولكن لأن ارتفاع التضخم وازدياد أسعار الفائدة يؤديان إلى زيادة المخاوف من الركود، وخاصة فى أوروبا، كما يلقى الطلب الفاتر على البترول فى الصين بثقله على السوق التى اعتادت الاعتماد على تعطش البلاد المستمر لمزيد من البترول الخام.

وعندما يكون العرض قوياً، يكون الأمر كذلك بشكل غير متوقع، كما هو الحال فى روسيا حيث خدشت العقوبات الغربية بالكاد قطاع البترول، أو بشكل غير طبيعى، كما هو الحال فى الولايات المتحدة، حيث أمر بايدن بضخ البترول من مخزون الطوارئ الفيدرالى فى السوق، وقد ساعد هذا فى وضع حد للأسعار، لكن بقاء السوق تحت السيطرة بقرار الحكومة إطلاق كميات تاريخية من نفط الطوارئ ليس حالة طبيعية.

والمخاوف الاقتصادية لاتزال فى الواقع تضرب الطلب، ويمكن أن يؤدى الركود العميق إلى قلب جميع أساسيات أسواق السلع الأساسية، كما حدث فى الثمانينيات، عندما أفسحت الندرة الطريق إلى ما يقرب من عقد من الوفرة، لكن فترات الركود القصيرة تميل إلى خفض الطلب على البترول لفترة وجيزة فقط: فعندما تنتعش الاقتصادات، يرتد الاستهلاك كذلك.

وفى غضون ذلك، لاتزال أساسيات العرض والطلب التى أخافت محللى البترول قبل بضعة أشهر قائمة تحت السطح، والطاقة الإنتاجية الاحتياطية لـ«أوبك» – مصدر قوتها السوقية على مدى عقود – آخذة فى التضاؤل، حتى أن إنتاجها الآن أقل بكثير من الحصص نتيجة اتجاه إنتاج بعض الأعضاء إلى الانحدار النهائى.

وتناقش السعودية، المنتجة الرئيسية فى «أوبك»، والتى لديها قدرة إنتاجية احتياطية كبيرة، تخفيضات جديدة للإنتاج لدعم الأسعار، وهى فكرة ستثير قلق الدول المستهلكة، ويمكن أن تحيد أى بترول إضافى يأتى من إيران، فى حال تخفيف العقوبات على قطاعها البترولى.

ولا يزال الاستثمار فى الإنتاج الجديد خارج «أوبك» بطيئا، وتحجم وول ستريت عن تمويل المزيد من مشاريع الوقود الأحفورى التى قد يعفو عليها الزمان نتيجة سياسة المناخ، ويخصص كبار المنتجين رؤوس أموال أقل إلى المنبع من قبل وباء كورونا.

ويجبر المستثمرون مشغلى البترول الصخرى فى الولايات المتحدة، الذين كانوا غزيرى الإنتاج فى وقت من الأوقات، على إنفاق ثروتهم من الأسعار المرتفعة العام الجارى على توزيعات الأرباح، وليس عمليات الحفر الجديدة المكلفة، ولقد انتهى الوقت الذى تمكنوا فيه من حفر آبار كافية لتلبية الطلب العالمى الإضافى.

وقد يبدو انخفاض إمدادات الوقود الأحفورى من المنتجين بمثابة أخبار جيدة للمناخ، ولكن ليس إذا تسببت فى صدمة أسعار مثل تلك التى تواجه أوروبا بالغاز، مما أجبر الحكومات على دعم الاستهلاك.

كما يُظهر المستهلكون علامات قليلة على التخلى عن البترول على المدى القصير، ومن المتوقع أن يصل الطلب العالمى إلى مستوى ما قبل الجائحة مرة أخرى العام الجارى ثم يرتفع مرة أخرى فى عام 2023.
وسوف يكافح العرض لمواكبة الطلب، وقد يخفى الركود أو إطلاق المزيد من البترول الطارئ هذه الحقيقة لفترة من الوقت، لكنه سيجعل الدورة القادمة أكثر حدة.

بقلم: ديريك بروار

محرر قطاع الطاقة فى الولايات المتحدة لدى صحيفة «فاينانشيال تايمز»

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

آسيا .. الاستعداد لمواجهة نقص البترول والغاز

يتجه الركود غير المسبوق والذى لا رجعة فيه، فى القدرة...

منطقة إعلانية