تستحوذ قضية الدين العام في مصر على اهتمام واسع من الاقتصاديين وصناع السياسات ووسائل الإعلام، نظراً لما تمثله من تحدٍ هيكلي بالغ التأثير على الاستقرار المالي والاقتصادي. وفق بيانات وزارة المالية في يونيو 2025، بلغ إجمالي الدين الحكومي نحو 16.6 تريليون جنيه، منها نحو 11 تريليون جنيه دين محلي، و3.9 تريليون جنيه دين خارجي. تكمن خطورة هذا المستوى من المديونية ليس فقط في حجمها المطلق، بل في أعباء خدمتها، حيث تُقدَّر فوائد الدين بنحو 2.3 تريليون جنيه، إضافة إلى أقساط مستحقة تقارب 2.1 تريليون جنيه، ما يعني أن خدمة الدين تستحوذ على نحو 65% من إجمالي المصروفات العامة البالغة نحو 6.8 تريليون جنيه، ونحو 142% إجمالي الإيرادات العامة، في ظل هذه المعادلة، تضطر الدولة إلى الاقتراض بنحو 3.8 تريليون جنيه خلال العام نفسه، ما يعكس استمرار الحلقة المفرغة لتمويل العجز بالدين، ويطرح تساؤلاً مركزياً حول كيفية حل تلك المشكلة وضمان عدم تكرار الأزمة في المستقبل. ولأهمية الموضوع جاء بخطاب تكليف السيد رئيس الجمهورية للحكومة الجديدة في 10 فبراير الماضي، تكليف واضح ومحدد ” على الحكومة التوجه نحو تخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة يجب أن تدرس بعناية فائقة من حيث سلامة إجراءاتها وإيجابية آثارها على المديين القريب والبعيد”.
ويميل العديد من الاقتصاديين – وبحق- إلى النظر إلى أزمة الدين العام على أنها مسألة تتعلق فقط بالمتغيرات الاقتصادية الكمية، خاصة وجود اختلالات هيكلية مزمنة تشمل العجز المتكرر في الموازنة نتيجة الفجوة المستمرة بين الإيرادات والنفقات، ضعف التحصيل الضريبي، اتساع الاقتصاد غير الرسمي، الاعتماد المرتفع على الضرائب غير المباشرة، تباطؤ النمو الاقتصادي الذي يحد من التوسع الطبيعي في القاعدة الضريبية، وارتفاع الإنفاق الجاري بما يشمل الأجور والدعم وفوائد الدين. كما يعاني النظام المالي من ضعف كفاءة إدارة الموارد المالية وعدم وجود استراتيجيات واضحة لتقليص الدين، ما يجعل أي جهود لخفض المديونية عرضة للفشل إذا لم تصحبها إصلاحات هيكلية اقتصادية شاملة. ووفق المنظور الاقتصادي، يتم التركيز على تحليل الأرقام والمؤشرات المالية، ومحاولة ضبط السياسة النقدية والمالية عبر أدوات مثل تقليل الإنفاق، رفع الإيرادات، أو إعادة هيكلة القروض.
الا ان التركيز على المتغيرات الاقتصادية فقط يفتقد إلى البُعد المؤسسي والسياسي الذي يشكل الإطار الحاكم لإدارة السياسة المالية. فالدين العام لا يُنشأ في فراغ؛ بل هو نتاج قرارات سياسية ومؤسساتية تتعلق بكيفية جمع الأموال العامة وإنفاقها. هنا يبرز دور البرلمان كعنصر أساسي، لأنه يمثل حلقة الربط بين المواطنين والحكومة في إدارة الموارد المالية. البرلمان ليس مجرد مؤسسة تشريعية، بل هو أداة رقابية واستراتيجية تحدد أولويات الإنفاق، وتراقب التزامات الحكومة تجاه الدين، وتضمن التوازن بين الاقتراض والنمو الاقتصادي المستدام.
في الإطار الاقتصادي، يوجد ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع أزمة الدين العام في مصر. المسار الأول يقوم على استمرار الوضع القائم، من خلال مواصلة الاقتراض الداخلي والخارجي بالمعدلات الحالية دون إدخال إصلاحات هيكلية جوهرية. وهو خيار محفوف بالمخاطر، أبرزها ارتفاع تكاليف الاقتراض، تفاقم مخاطر التعثر، وخلق ضغوط تضخمية ممتدة نتيجة التوسع النقدي واتساع فجوة الطلب، كما أنه يمثل استراتيجية غير ملائمة على المدى المتوسط بعد استنفاد فرص الإصلاح المؤجل. أما المسار الثاني فيستهدف خفض الدين الاسمي بسرعة من خلال تحقيق فوائض أولية كبيرة وسداد أقساط ضخمة، مدعومًا بنمو اقتصادي يفوق تكلفة الدين، مع إصلاح ضريبي شامل وبيع أصول واسعة النطاق أو إعادة هيكلة رسمية للدين. ورغم جاذبيته النظرية، فإن تطبيقه في الظروف الحالية ينطوي على مخاطر اجتماعية وسياسية مرتفعة، وقد يؤدي إلى شح في السيولة، تراجع الاستثمارات، زيادة الضرائب، أو تقليص الخدمات العامة، مما يضر بمستوى المعيشة ويزيد البطالة، فضلاً عن مخاطر بيع الأصول بأقل من قيمتها العادلة والإضرار بقدرة الدولة على الوصول إلى الأسواق الدولية مستقبلاً. اما المسار الثالث فيركز على خفض معدل نمو الدين تدريجياً دون السعي إلى تقليص قيمته الاسمية فوراً، بحيث يتوقف نمو الدين خلال ثلاث سنوات، ثم يبدأ في الانخفاض تدريجياً، مع تطبيق نفس النهج على العجز في الموازنة لضمان التوازن المالي التدريجي.
ويُعتبر المسار الثالث الأكثر توازناً وواقعية اقتصادياً وسياسياً، إذ يسمح بتحسين الوضع المالي دون التسبب في صدمات اجتماعية، من خلال تعزيز الإيرادات عبر توسيع القاعدة الضريبية بدلاً من رفع المعدلات، الحد من الإعفاءات غير المبررة، تحسين كفاءة الإدارة الضريبية ومكافحة التهرب، بالإضافة إلى تعزيز الإيرادات غير الضريبية من خلال تحسين أداء شركات القطاع العام وإدارة الأصول بكفاءة، وخصخصة الأصول غير الاستراتيجية عند الحاجة. أما على جانب الإنفاق، فيتيح إعادة توجيه الموارد من الدعم غير المستهدف والنفقات التشغيلية المرتفعة نحو الإنفاق الرأسمالي المنتج والبرامج الاجتماعية المستهدفة، وتحسين إدارة الدين عبر إطالة آجال الاستحقاق وتقليل الاعتماد على أدوات الدين قصيرة الأجل، واستثمار آليات مبادلة الدين بالاستثمار عند توفر الفرص المناسبة. كما يسهم دور السياسة النقدية المتزنة في احتواء التضخم وخفض أسعار الفائدة تدريجياً، مع تعزيز الشفافية والحوكمة المالية المتعلقة ببيانات الدين والالتزامات المشروطة.
بيد أن حصر الأزمة في نطاقها الاقتصادي الفني، مهما بلغت براعة المسارات المقترحة، يغفل البعد “المؤسسي والسياسي” الذي يمثل الإطار الحاكم والضامن الوحيد لاستدامة أي إصلاح مالي. فالدين العام لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج لعملية صنع قرار سياسي ومؤسسي تتعلق بكيفية جمع الأموال العامة وأولويات إنفاقها. إن التجربة التاريخية للدول التي نجحت في الخروج من فخ الديون تؤكد أن الإصلاح الاقتصادي بلا إصلاح مؤسسي سيكون بلا فائدة، فحتى لو تم سداد الدين الحالي أو إسقاط جزء منه، فإن غياب الرقابة الفعالة والشفافية يجعل تراكم ديون جديدة أمراً حتمياً. وهنا يبرز الدور المحوري للبرلمان، ليس فقط كمؤسسة تشريعية، بل كحلقة وصل رقابية تضمن مساءلة الحكومة عن كل جنيه يتم اقتراضه وعن أوجه صرفه. إن التمثيل البرلماني في جوهره نشأ تاريخياً على مبدأ “لا ضرائب بدون تمثيل”، والذي تطور ليشمل “لا اقتراض سيادي بدون رقابة شعبية”.
إن واقع الممارسة البرلمانية الحالية يشير إلى الحاجة الماسة الي تفعيل القدرة على الرقابة والمشاركة الحقيقية في صياغة السياسات المالية، مما يحول دور البرلمان إلى “المشارك السابق” بدلاً “المصادق اللاحق” في وضع الأولويات. حيث أن إهمال هذا الجانب المؤسسي يعني أن قرارات الاقتراض الضخمة قد تُتخذ بناءً على رؤى تنفيذية قصيرة المدى دون موازنة دقيقة بين الأعباء المستقبلية والعوائد المتوقعة. ولذلك، فإن الاستدامة المالية الحقيقية تتطلب تحولاً هيكلياً يمنح البرلمان سلطة حقيقية لمراجعة الموازنات بتفاصيلها، والمصادقة على سقف سنوي للاقتراض لا يمكن تجاوزه إلا بمسوغات وطنية طارئة، مع فرض تقارير إفصاح مالي دورية تتسم بالشفافية المطلقة حول حجم الدين وأعباء خدمته والالتزامات المشروطة.
وإجمالاً، يمكن القول إن علاج أزمة الديون في مصر يتطلب “مشرطاً” اقتصادياً دقيقاً و”دعماً” مؤسسياً قوياً. حيث إن المسار الاقتصادي المتوازن الذي يستهدف الخفض التدريجي للدين هو ضرورة فنية لا غنى عنها لتجنب الصدمات، لكنه سيظل بناءً هشاً ما لم يستند إلى قاعدة مؤسسية صلبة تقودها رقابة برلمانية نافذة وسياسات تتسم بالشفافية. إن الهدف النهائي لا يجب أن يكون مجرد سداد الديون، بل الانتقال بالدولة من نموذج “الإدارة القائمة على الاقتراض” إلى نموذج “الإدارة القائمة على الإنتاجية والحوكمة”. بمعني آخر، فإن تلازم الإصلاح المالي والاصلاح المؤسسي هو السبيل الوحيد لضمان عدم عودة الأزمة مرة أخرى، ولتحويل الحكومة من مقترض دائم يكافح لسداد الفوائد إلى مدير مالي رشيد يستثمر في مستقبل وطنه، وبدون هذا الاندماج بين الاقتصاد والمؤسسات، ستظل الحلول مؤقتة، وستظل الأرقام تتضخم، ويبقى الاستقرار المالي رهينة للمتغيرات الخارجية والداخلية المتقلبة.
وفي النهاية يجب ان لا تتخذ الحكومة أي قرارات مؤثرة بخصوص ازمة المديونية (سواء الرصيد الحالي للمديونية او قرارات الاقتراض الجديدة) الا من خلال استراتيجية واضحة المعالم، وتم دراستها بعناية شديدة من خلال مجموعة من الخبراء المتخصصين وبعد مناقشات علمية وعملية رصينة، وان لا تتخذ الحكومة أي قرارات منفردة في هذا الامر.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا
