كتب: سليم حسن
انتقلت سوق السكر في مصر خلال أقل من ثلاث سنوات من أحد أكثر الأسواق اضطرابًا وحساسية إلى التشبع، في تحول يعكس بوضوح اختلالات أعمق في هيكل الإنتاج والتسعير وإدارة المعروض.
بعد أزمة طاحنة نهاية 2023 قفزت خلالها أسعار السكر للمستهلكين إلى ما يتجاوز 60 جنيهًا للكيلو ترتب عليها وقف التصدير، تدخل السوق عام 2026 وهي محمّلة بمخزون تراكمي غير مسبوق، دفع الحكومة إلى إعادة فتح باب التصدير كصمام أمان لتخفيف الضغط عن المعروض المحلي.
هذا الفائض لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج موسم إنتاجي قياسي، توسعت خلاله زراعات بنجر السكر إلى مستويات غير مسبوقة، بالتوازي مع استمرار استيراد كميات كبيرة من السكر الخام، في معادلة معقدة تداخلت فيها حسابات الأمن الغذائي مع اعتبارات التكلفة والربحية للمصانع.
على الرغم أن إعادة فتح التصدير تبدو خطوة منطقية لتصريف الفائض فإنها تكشف في جوهرها عن أزمة أعمق تتعلق ببنية الصناعة نفسها، إذ إن مصانع السكر تشكو من تراكم المخزون لكنها في الوقت ذاته الطرف الأكبر في استيراد الخام، مدفوعة بفجوة واضحة بين تكلفة الإنتاج المحلي وتكلفة الاستيراد.
مع دخول موسم إنتاجي جديد في عام 2026 بمساحات زراعية قريبة من العام القياسي السابق، يظل السؤال مفتوحا: هل تعالج قرارات التصدير الأزمة، أم تؤجل انفجارها؟
1.2 مليون طن مخزون
“السوق المحلية دخلت عام 2026 بمخزون يتجاوز 1.2 مليون طن من السكر الأبيض أكثر من نصفها إنتاج محلي والنصف الآخر من واردات الخام التي دخلت على مدار العام الماضي”، قال مسؤول في أحد أبرز مصانع السكر المصرية، لـ”إيكونومي بلس”.
تابع: “هذه الكمية كبيرة للغاية بالتزامن مع دخول موسم إنتاجي جديد من المتوقع أن ينتج كميات قريبة للغاية”.
في 2025، أنتجت مصر كميات قياسية من السكر تجاوزت 2.9 مليون طن، ومحققة نمو سنوي 34%، بحسب بيانات وزارة الزراعة المصرية.
إنتاج محلي استثنائي
حدث النمو القياسي في إنتاج مصر من السكر بفضل ارتفاع زراعات محصول البنجر في الموسم الماضي لتتجاوز 750 ألف فدان أنتجت نحو 2.3 مليون طن من السكر الأبيض، بالإضافة إلى 600 ألف طن أنتجها محصول القصب.
بحسب حديث رئيس مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة، مصطفى عبدالجواد، لـ”إيكونومي بلس”، فإن إعادة فتح باب تصدير السكر يبدو للوهلة الأولى أنه قد جاء لتصريف ما حققه السوق من مخزون قياسي واستثنائي، لكن في الأصل يستهدف عدم تراكم المخزون إلى مستويات أعلى من الرصيد الحالي مع استمرار استيراد الخام ودخول موسم إنتاجي جديد.
“هذا الموسم بلغت زراعات محصول البنجر نحو 700 ألف فدان تقريبًا، ومن المتوقع أن تنتج كميات أقل بنسبة ضئيلة من العام الماضي”، قال عبدالجواد.
لماذا استمر استيراد السكر
في ظل وجود فائض بإنتاج السكر، تبرز أسئلة أساسية وهي لماذا نستمر في استيراد السكر الخام ومن المستوردين؟.
“المصانع التي اشتكت من المخزون هي الطرف الأكبر في استيراد السكر الخام، وكانت مجبرة على إدخاله مع تراجع الأسعار العالمية خلال النصف الثاني من العام الماضي تحديدًا”، قال مسؤول حكومي بوزارة الزراعة لـ”إيكونومي بلس”.
أضاف المسؤول: “التوقعات منذ بداية 2025 كانت تشير إلى إنتاج قياسي من السكر بناءً على المساحات الفعلية التي ظهرت بحلول مطلع العام مع نهاية زراعة العروة الثالثة من محصول البنجر”.
على الرغم من ذلك، استمرت المصانع في التعاقد على كميات جديدة من السكر الخام لمواجهة التكاليف المتضخمة للإنتاج المحلي.
“في ضوء ذلك جاء إعادة فتح الباب أمام تصدير السكر من جديد بطلب من مصانع السكر نفسها، وهو ما وافقت عليه وزارة التموين بعد أن عرضت المصانع موقف السوق حاليًا”، أوضح المسؤول.
أشارت المصانع في البيانات التي قدمتها لوزارة التموين إلى أن تكلفة إنتاج الطن محليًا تتراوح بين 24 و25 ألف جنيه للطن بينما تكلفة الاستيراد لا تتجاوز 20 ألف جنيه، ويعني ذلك أن استمرار استيراد الخام يساعد في تقليل التكاليف بشكل عام، ومع فتح باب التصدير سنوفر فرصة تسويقية أكبر للمعروض مع السيطرة على الخسائر.
استيراد السكر الخام فرصة ذهبية للشركات
وفق مسؤول في أحد مصانع السكر من القطاع الخاص، فإن استيراد السكر الخام ظل لسنوات طويلة ملاذًا لتعويض الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك لكن خلال السنوات الماضية تحولت واردات الخام إلى استثمار خاص وقوي.
“هذا الاستثمار يعمل به شركات أجنبية لا تنتج السكر من البنجر أو القصب بل قامت عقودها الاستثمارية على أساس استيراد الخام وتكريره محليا، وطرحه للبيع محليا أو في التصدير، وهذا السبب أحد صعوبات وقف الاستيراد”، أوضح المسؤول.
يقدر مسؤول في لجنة السكر في حديث مع “إيكونومي بلس” حجم واردات مصر من السكر الخام العام الماضي بأكثر من 800 ألف طن مقارنًة بنحو 700 ألف طن فقط”.
تابع: “بإضافة الإنتاج المتوقع للعام الجاري، فسيصل المعروض إلى نحو 4 ملايين طن، بينما يتراوح الاستهلاك السنوي لمصر بين 3.3 و3.5 مليون طن”.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا