مقال لـ: د. أنور النقيب، أستاذ الاقتصاد والتمويل في كلية العلوم الإدارية _ أكاديمية السادات
في ظل المطالب المتكررة من صندوق النقد الدولي للحكومة في مصر بالتوسع في التخارج من الاستثمارات العامة (الانتاجية او الخدمية) الحالية او عدم الدخول في استثمارات عامة في المستقبل، بات من الضروري تبني استراتيجية وطنية واضحة للتعامل مع هذه الاستثمارات — سواء القائمة حالياً أو المستقبلية — بعيداً عن أي مرجعيات أيديولوجية أو قرارات آنية تستجيب فقط لمتطلبات الصندوق.
وينبغي أن يقوم التحرك الاقتصادي للحكومة على أسس علمية وعملية، وقائم علي الاحتياجات التنموية الحقيقية لمصر، عبر بناء إطار استراتيجي حاكم وواضح المعالم لإدارة الاستثمارات العامة، يحدد فلسفتها وأدواتها وأهدافها. ويتطلب ذلك وضع رؤية شاملة ومعلنة لدور الدولة الاستثماري، تشمل أولويات محددة وغايات واضحة لملكية الأصول العامة، بما يوازن بين الاعتبارات التنموية والاستراتيجية ومتطلبات الكفاءة الاقتصادية. كما يجب أن يتضمن هذا الإطار معايير موحدة وشفافة تقود قرارات الدخول أو التخارج من الاستثمارات الإنتاجية والخدمية، بما يضمن توافقها مع الرؤية الكلية للدولة، ويعزز الحوكمة الرشيدة، ويرسخ الثقة لدى المستثمرين والقطاع الخاص.
ونرى أن الرؤية الأساسية المقترحة للاستثمارات العامة ينبغي أن ترتكز على مبدأ جوهري مؤداه أن دور الدولة الاستثماري هو دور تكاملي داعم ومحفّز للاستثمارات الخاصة، وليس منافساً أو مزاحماً لها. فالتكامل مع القطاع الخاص يقتضي أن يتدخل الاستثمار العام بصورة مؤقتة في الأنشطة الإنتاجية التي تشهد ضعفاً في إقبال المستثمرين، لسد الفجوة وتحفيز النشاط وتهيئة بيئة جاذبة تُمكّن القطاع الخاص من الدخول والاستثمار بثقة. وبمجرد استعادة النشاط لجاذبيته وقدرته على جذب رؤوس الأموال الخاصة، يتراجع الدور الاستثماري المباشر للدولة تدريجياً. كما ينبغي أن يتركز الاستثمار العام بوجه خاص في قطاعات البنية الأساسية والتكنولوجية والتمكينية، بما يوفر المقومات الضرورية لنمو القطاع الخاص وتوسّعه، ويعزز من قدرته التنافسية، ويُرسّخ شراكة تنموية قائمة على توزيع الأدوار بكفاءة بين الدولة والقطاع الخاص.
وتستهدف هذه الرؤية تعظيم كفاءة الاستثمارات العامة من خلال تحسين الأداء المالي والتشغيلي، وتعزيز دور القطاع الخاص عبر تقليص الوجود المباشر للدولة في الأنشطة الإنتاجية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وضبط السوق بآليات المنافسة الكاملة، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. كما تركز هذه الرؤية على دعم القطاعات الاستراتيجية ذات الأهمية للاقتصاد القومي، وتحقيق الاستدامة البيئية والاجتماعية، وتعزيز الابتكار والتكنولوجيا، لا سيما في مجالات البحث العلمي والمعرفة، بما يفتح المجال لمشاركة أوسع للقطاع الخاص في الأنشطة الاستثمارية التقليدية.
أما فيما يتعلق بمعايير الدخول في الاستثمارات العامة أو التخارج منها، فينبغي أن تستند إلى إطار محوكم واضح يقوم على طرح والإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تُشكل الأساس المنهجي لإدارة هذا الملف. ومن أبرز هذه الأسئلة: ما طبيعة العائد المستهدف من الشركات المملوكة للدولة؟ وهل يقتصر هذا العائد على الربحية المالية المباشرة، أم يمتد ليشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية وتنموية أوسع؟. كما يتعين التساؤل: لمن تُخلق القيمة في هذه الشركات؟ وكيف يمكن تعريف وقياس «القيمة العامة» بصورة موضوعية وقابلة للتقييم؟ وأمام أي جهة يجب أن تكون الشركات المملوكة للدولة خاضعة للمساءلة؟ وما هي المعايير والأدوات الملائمة لتقييم أدائها، سواء من منظور الكفاءة التشغيلية أو الأثر التنموي؟. كذلك، يجب أن تخضع مبررات استمرار الملكية العامة لمراجعة دورية لضمان بقائها متسقة مع الأولويات الاستراتيجية وتحقيقها لأثر إيجابي مستدام. وأخيراً، عند انتفاء الحاجة إلى الملكية العامة، ينبغي أن يتم التخارج وفق آلية مدروسة تعظّم القيمة المستخلصة للمجتمع ككل، وتحقق أفضل توظيف ممكن للأصول العامة.
ويمكن إجمال المعايير الموحدة التي تحكم دور الدولة في الاستثمارات العامة، سواء الإنتاجية أو الخدمية، حالياً أو مستقبلاً، في ثلاثة معايير حاكمة يتعين تطبيقها بصورة متكاملة من خلال منهج متعدد الأبعاد (Multidimensional Approach)، بحيث لا يُعتد بأي معيار منها بمعزل عن الآخرين، وإنما يتم التقييم على أساس تراكمي يراعي الأبعاد الاستراتيجية والاقتصادية والتنافسية معاً.
وتتمثل هذه المعايير حصراً في: (1) تركيز تدخل الدولة في القطاعات المرتبطة بالأمن القومي، بما يشمل المجالات الاستراتيجية التي تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسيادي للدولة، والتي تستوجب حضوراً مباشراً أو إشرافاً حاسماً من جانبها. (3) تدخل الدولة في القطاعات أو الأنشطة غير الجاذبة للقطاع الخاص، أو تلك التي تعاني من إخفاقات سوقية واضحة، رغم الأهمية التنموية لتلك القطاعات والانشطة، سواء كان احجام القطاع الخاص نتيجة ارتفاع المخاطر، أو طول فترة استرداد رأس المال، أو وجود منافع عامة لا يستطيع القطاع الخاص استيعاب عائدها الكامل، بما يبرر تدخلاً تصحيحياً أو تمهيدياً من جانب الدولة. في بعض الحالات، قد تضطلع الدولة بدور محفّز لإطلاق صناعات جديدة أو ناشئة، عبر توجيه رأس المال إلى شركات مملوكة لها تمتلك – أو يمكن أن تكتسب – القدرة على تحقيق وفورات الحجم، لا سيما في القطاعات ذات التكاليف الاستثمارية الأولية المرتفعة. ويمكن النظر إلى هذا الدور باعتباره أداة تمهيدية أو بديلاً مؤقتاً للتنظيم التقليدي، خاصة في حالات الاحتكارات الطبيعية أو أسواق احتكار القلة، حيث يصعب ترك النشاط لقوى السوق وحدها دون مخاطر على الكفاءة أو العدالة التنافسية. (3) ألا يكون هذا التدخل مزاحماً للاستثمارات الخاصة أو مُخلاً بمبدأ الحياد التنافسي، بحيث يقتصر دور الدولة على التكامل والتحفيز، دون خلق تشوهات في السوق أو إضعاف قدرة القطاع الخاص على المنافسة العادلة. وبذلك يشكل الجمع بين هذه المعايير الثلاثة إطاراً متوازناً يضمن وضوح دور الدولة، ويعزز كفاءة تخصيص الموارد، ويحقق التوازن بين الاعتبارات الاستراتيجية ومتطلبات اقتصاد السوق.
وخلاصة القول، تمثل الحوكمة الرشيدة للاستثمارات العامة الإطار الضابط الذي ينظم العلاقة بين الدولة والسوق، ويمنع تداخل الأدوار أو تضاربها، ويضمن توجيه الموارد نحو الاستخدام الأكثر كفاءة وأعلى عائداً تنموياً. ومن ثمّ، فإن أي قرار بدخول الدولة في نشاط استثماري ينبغي أن يكون قراراً مؤسسياً منضبطاً، يستند إلى مبررات موضوعية واضحة ومحددة ومعايير كمية، ويخضع لتقييم دوري يقيس جدواه الاقتصادية وأثره العام. وفي المقابل، يجب أن يكون التخارج جزءاً أصيلاً من فلسفة الإدارة، لا إجراءً استثنائياً مؤجلاً، بحيث يُنظر إلى الملكية العامة كأداة لتحقيق غاية محددة، تنتهي بانتهاء مبرراتها. ويقتضي ذلك تحديد نطاق التدخل بدقة، وربطه بأهداف قابلة للقياس، وسقف زمني معلوم، مع إعلان مسار الخروج منذ البداية. ويتعين تعميم هذا المنهج على مختلف الشركات والهيئات والأجهزة التابعة للدولة، بما يعزز الانضباط المؤسسي، ويحد من التوسع غير المبرر في النشاط الاقتصادي، ويضمن توجيه الأصول العامة لخدمة أولويات التنمية بكفاءة واستدامة.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا