قال معهد التمويل الدولي إن الاقتصاد المصري دخل عام 2026 وهو في وضع أفضل نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، لكن هذا التحسن يظل هشًا أمام التطورات الخارجية في ضوء تصاعد الحرب في إيران، ليشكل صدمة جديدة تضيف طبقة إضافية من الضغوط على الاقتصاد المصري.
بحسب تقرير حديث صادر عن المؤسسة الدولية، فإن المؤشرات الكلية لمصر أظهرت تحسنًا ملحوظًا، تمثل في تسارع وتيرة النمو الاقتصادي وتراجع معدلات التضخم تدريجيًا، إلى جانب بدء ظهور نتائج إيجابية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، خاصة فيما يتعلق بضبط أوضاع المالية العامة وزيادة الإيرادات.
لكن معهد التمويل الدولي أشار إلى أن اقتصاد البلاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على العوامل الخارجية، سواء في تأمين احتياجاته من الطاقة أو في تدفقات رؤوس الأموال أو حتى في استقرار أسعار الغذاء.
بالتالي، فإن هذه الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على طهران لا تمثل مجرد حدث جيوسياسي بعيد، بل عاملًا مباشرًا يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية الداخلية.
قطاع الطاقة: نقطة الضعف الأكثر حساسية
وفق التقرير، أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري يتمثل في الانخفاض المستمر في إنتاج الغاز الطبيعي منذ عام 2021، وهو ما يرجع إلى عدة عوامل، من بينها تراجع الاستثمارات في قطاع الاستكشاف والإنتاج، وتقادم الحقول الحالية، فضلًا عن التحديات التشغيلية.
هذا التراجع لم يكن مجرد تغير مؤقت، بل يعكس تحولًا هيكليًا أدى إلى فقدان مصر لوضعها السابق كمصدر صافٍ للغاز، لتتحول تدريجيًا إلى مستورد، وهو ما يزيد من تعرضها لتقلبات الأسواق العالمية، بحسب معهد التمويل الدولي.
في ظل هذا التراجع، ارتفع اعتماد مصر على واردات الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي، حيث أصبحت تعتمد بشكل رئيسي على الإمدادات القادمة من إسرائيل عبر خطوط الأنابيب، بالإضافة إلى واردات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
مع اندلاع الحرب في إيران، اتخذت إسرائيل قرارًا بوقف صادرات الغاز إلى مصر بشكل كامل في البداية، وهو ما يمثل ضربة مباشرة، نظرًا لأن هذه الإمدادات كانت تغطي ما بين 7% و10% من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد.
في ظل هذا النقص، اضطرت مصر إلى التوسع في شراء الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، في توقيت شديد الحساسية، وقد وصلت أسعار الغاز المسال إلى نحو ثلاثة أضعاف المستويات التي تعاقدت عليها مصر في العام السابق، ما يعني زيادة مباشرة وكبيرة في فاتورة الاستيراد، حسبما أفاد التقرير.
نزوح سريع للأموال الساخنة
قال معهد التمويل الدولي إن مصر تشهد حاليًا واحدة من أكبر موجات خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلي منذ 2022، حيث سجلت نحو 4 مليارات دولار خلال أسبوعين فقط من شهر مارس، وهو رقم يعكس سرعة تأثر الأسواق المحلية بالتقلبات العالمية.
أشار التقرير إلى أنه تزداد حدة هذه المشكلة مع امتلاك المستثمرين الأجانب نحو 40% من أذون الخزانة، ما يجعل سوق الدين المحلي عرضة لتقلبات سريعة وحادة في حال تغير اتجاهات المستثمرين.
انعكست هذه التدفقات الخارجة بشكل مباشر على سعر صرف الجنيه، الذي تراجع من نحو 47 جنيهًا للدولار إلى 52 جنيهًا خلال فترة قصيرة، وهو ما يعكس الضغط الكبير على العملة المحلية.
أضاف معهد التمويل الدولي أن مصر تعتمد بشكل كبير على أدوات الدين قصيرة الأجل، وتسعى الحكومة إلى إطالة آجال الاستحقاق، لكن ارتفاع العوائد قد يعرقل هذه الجهود.
عودة الضغوط التضخمية من جديد
سلّط تقرير معهد التمويل الدولي الضوء على تراجع قيمة الجنيه كأحد أهم مصادر الضغوط التضخمية، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 20% و40% من تحركات سعر الصرف تنتقل إلى الأسعار المحلية، خاصة أسعار المنتجين.
كما لفت إلى أن زيادة تكاليف الطاقة أدت إلى رفع أسعار الوقود محليًا، حيث ارتفعت أسعار السولار بنحو 16%، والغاز بنسبة تصل إلى 30%، ما ينعكس على تكلفة النقل والإنتاج.
“نظرًا لأن الطاقة تمثل نحو 10% من سلة التضخم، فإن هذه الزيادات قد تضيف نحو 2% إلى معدل التضخم السنوي خلال الأشهر المقبلة”، وفق تقديرات معهد التمويل الدولي.
أوضح التقرير أن الغذاء يمثل أكثر من ثلث سلة التضخم في مصر، ومع اعتماد البلاد على الاستيراد، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية أو اضطرابات في سلاسل الإمداد ينعكس بسرعة على السوق المحلية.
كما أن ارتباط إنتاج الأسمدة بدول الخليج يجعل أسعار الغذاء أكثر عرضة للتأثر بالصراع.
توقف محتمل لدورة التيسير النقدي
في ظل عودة الضغوط التضخمية، رجّح تقرير المؤسسة الدولية أن يضطر البنك المركزي المصري إلى وقف دورة التيسير النقدي التي بدأها مؤخرًا، حتى يتم احتواء التضخم.
تابع: “يواجه البنك المركزي معادلة صعبة، حيث يحتاج إلى دعم النمو من خلال خفض الفائدة، لكنه في الوقت نفسه مطالب بالسيطرة على التضخم واستقرار العملة”.
ضغوط متزايدة على الموازنة
انتقل معهد التمويل الدولي في تقريره إلى تداعيات الحرب الراهنة على الموازنة المصرية، إذ أشار إلى أن مدفوعات الفائدة تشكل نحو 56% من إجمالي الإنفاق الحكومي.
أشار كذلك إلى أنه مع ارتفاع أسعار النفط، تزداد أعباء الدعم، حيث إن كل دولار زيادة في أسعار النفط فوق مستوى 75 دولارًا يضيف أعباء على الموازنة تصل إلى 4.5 مليار جنيه.
توقعت المؤسسة الدولية أن يؤدي الصراع إلى تقليل شهية المستثمرين الأجانب في مصر، خاصة من دول الخليج، ما يضعف تدفقات الاستثمار المباشر.
في حال استمرار الضغوط، قد تضطر مصر إلى زيادة الاعتماد على القروض والمؤسسات الدولية لتغطية احتياجاتها التمويلية، وفق التقرير.
موقف أفضل نسبيًا لقناة السويس
أشار معهد التمويل الدولي إلى أن النقطة المضيئة حتى الآن تتمثل في تمتع قناة السويس باستقرار نسبي في حركة الملاحة، في ظل عدم تصعيد جماعة الحوثيين للهجمات في البحر الأحمر على السفن التجارية.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا