في لحظات نادرة، تتحول قرارات اتُّخذت قبل عقود إلى طوق نجاة للاقتصاد العالمي. هذا تمامًا ما يحدث اليوم، مع عودة خط أنابيب “شرق–غرب” في السعودية إلى الواجهة، ليس كمجرد مشروع بنية تحتية قديم، بل كأحد أهم أدوات إنقاذ سوق الطاقة العالمية في خضم أزمة جيوسياسية غير مسبوقة.
أزمة تُعيد كتابة قواعد اللعبة
مع تصاعد المواجهة العسكرية في المنطقة، وإغلاق مضيق هرمز — الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي — وجدت الأسواق نفسها أمام سيناريو طالما اعتُبر “كابوسًا نظريًا”. فجأة، توقفت شرايين الطاقة التقليدية، وبدأت المخاوف من نقص الإمدادات تقود موجة ارتفاع حادة في الأسعار.
لكن في خلفية هذا المشهد المتوتر، كانت السعودية تتحرك بسرعة، ليس برد فعل، بل بتنفيذ خطة وُضعت منذ أكثر من أربعة عقود.
خط أنابيب يعود للحياة
يمتد خط “شرق–غرب” لمسافة 1,200 كيلومتر، رابطًا بين حقول النفط في المنطقة الشرقية للمملكة وساحل البحر الأحمر في ينبع. تم إنشاؤه في ثمانينيات القرن الماضي، في ظل مخاوف مماثلة خلال الحرب العراقية الإيرانية، كبديل استراتيجي لتجاوز مضيق هرمز.
اليوم، يثبت هذا الخط أنه لم يكن مجرد احتياط، بل استثمار بعيد النظر في أمن الطاقة.
خلال أيام قليلة من اندلاع الأزمة، بدأت شركة أرامكو في إعادة توجيه صادراتها نحو ميناء ينبع، حيث تحوّل الميناء إلى مركز عالمي جديد لتجارة النفط. أرقام الشحن تعكس هذا التحول: صادرات الخام من ينبع قفزت إلى نحو 3.66 مليون برميل يوميًا، مقارنة بأقل من 800 ألف برميل قبل الأزمة.
ينبع… من “خيار ثانوي” إلى مركز عالمي
لطالما كانت موانئ الخليج العربي، من رأس تنورة إلى الجبيل، هي القلب النابض لصادرات النفط السعودية. لكن الأزمة الحالية أعادت رسم الخريطة.
اليوم، تقف ينبع في الواجهة، تستقبل عشرات الناقلات العملاقة التي تتدفق يوميًا لتحميل النفط. في بعض الأيام، تجاوزت عمليات التحميل 4 ملايين برميل يوميًا، وسط سباق محموم لتأمين الإمدادات للأسواق العالمية.
هذا التحول لم يكن سهلًا أو منخفض التكلفة. فتكاليف الشحن ارتفعت بشكل كبير، حيث دفعت شركة “بحري” السعودية مئات الآلاف من الدولارات يوميًا لتأمين أسطول كافٍ من الناقلات. ومع ذلك، كان الهدف واضحًا: إبقاء النفط السعودي في السوق مهما كانت الظروف.
صمام أمان للأسواق العالمية
وجود هذا المسار البديل لم يكن مجرد حل لوجستي، بل عنصر تهدئة للأسواق. فمع توقف جزء كبير من الإمدادات عبر هرمز، أصبح خط “شرق–غرب” بمثابة “صمام أمان” يمنع حدوث صدمة أكبر.
ويرى خبراء الطاقة أن هذا الخط ساهم في الحد من ارتفاع الأسعار، التي رغم قفزها إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، كانت مرشحة لتسجيل مستويات أعلى بكثير في حال غياب هذا البديل.
المخاطر لم تختفِ
ورغم أهمية هذا المسار، إلا أنه ليس بمنأى عن التهديدات. فقد تعرّضت منشآت في ينبع لهجمات خلال الأيام الماضية، في إشارة واضحة إلى أن البنية التحتية للطاقة أصبحت هدفًا مباشرًا في الصراع.
كما أن الطريق البحري البديل عبر البحر الأحمر يمر بمضيق باب المندب، الذي لا يقل حساسية، خاصة في ظل التوترات الأمنية في المنطقة.
بمعنى آخر، الانتقال من هرمز إلى البحر الأحمر لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها.
إعادة تشكيل استراتيجية الطاقة
الأزمة الحالية قد تكون نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي لدول المنطقة. فبدل الاعتماد على ممر واحد، تتجه الأنظار الآن نحو تنويع طرق التصدير.
سلطنة عُمان تعمل على تطوير ميناء الدقم كمركز بديل، والإمارات تمتلك بالفعل خط أنابيب إلى الفجيرة، فيما تبحث دول أخرى عن حلول مماثلة. لكن حتى الآن، تبقى السعودية صاحبة أكبر قدرة على المناورة بفضل استثماراتها الطويلة في البنية التحتية.
دروس من الماضي… ورسائل للمستقبل
ما يحدث اليوم يرسل رسالة واضحة: أمن الطاقة لا يُبنى في وقت الأزمات، بل قبلها بسنوات — وربما بعقود.
خط أنابيب “شرق–غرب” لم يُبنَ ليوم عادي، بل ليوم مثل هذا.
ومع استمرار التوترات، يبدو أن العالم سيعتمد بشكل متزايد على هذا الخط، ليس فقط كحل مؤقت، بل كعنصر دائم في معادلة الطاقة العالمية.
في لحظة تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد، تثبت السعودية مرة أخرى أنها لاعب محوري — ليس فقط بفضل احتياطاتها النفطية، بل بقدرتها على التخطيط والاستجابة عندما تكون الأسواق في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا