أبقت وكالة “ستاندرد آند بورز” تصنيفها الائتماني السيادي طويل وقصير الأجل بالعملتين الأجنبية والمحلية لمصر عند مستوى ‘B/B’، مع الحفاظ على نظرة مستقبلية مستقرة.
أوضحت الوكالة أن النظرة المستقرة تعكس حالة التوازن بين آفاق النمو الاقتصادي لمصر على المدى المتوسط وزخم الإصلاحات الهيكلية من جهة، والمخاطر الناجمة عن الصراع الإقليمي الممتد في منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى.
محددات تعديل التصنيف الائتماني مستقبلاً
بيّنت الوكالة الشروط والمحددات التي قد تدفعها إلى تغيير التصنيف مستقبلاً، حيث أشار سيناريو خفض التصنيف إلى إمكانية اتخاذ هذه الخطوة في حال تراجع التزام الحكومة بالإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك مرونة سعر الصرف، أو اتساع الاختلالات الاقتصادية كشح العملات الأجنبية. كما يُمكن اتخاذ إجراء سلبي إذا أدت تكاليف الفائدة المرتفعة إلى زيادة الضغوط على المالية العامة، أو إذا تسببت التوترات الجيوسياسية في إعاقة وصول مصر إلى الأسواق الخارجية.
على الجانب الآخر، يتضمن سيناريو رفع التصنيف إمكانية تحسين التقييم إذا تحسن صافي ديون الحكومة والمركز الخارجي بأسرع من المتوقع، سواء عبر تسريع خفض مستويات الدين أو زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر بدعم من برنامج بيع أصول الدولة، فضلاً عن نجاح السياسات الهادفة لتنويع الاقتصاد وفتح القطاعات الرئيسية أمام الاستثمارات الأجنبية.
تدابير استباقية واستقرار سوق الصرف
أسهمت التدابير الاستباقية للسياسات في تخفيف الضغوط الفورية الناتجة عن الصراع الإقليمي، حيث شهدت الأشهر التالية لاندلاع الصراع خروج استثمارات أجنبية في المحافظ بقيمة 9.5 مليار دولار وانخفاض قيمة الجنيه بنسبة تصل إلى 15% مقابل الدولار. لكن الاستجابة السريعة للسياسات أعادت الاستقرار إلى السوق وعكست جانبًا كبيرًا من تقلبات العملة، واشتملت تلك الإجراءات على الالتزام بمرونة سعر الصرف، وترشيد استهلاك الطاقة، وتعديل تعرفات الوقود والكهرباء بالتوازي مع تقديم دعم اجتماعي موجه.
عزز هذا الانضباط الأداء المالي لتتجاوز السلطات أهداف صندوق النقد الدولي بتحقيق فائض أولي بنسبة 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026.
تعزيز المصدات الخارجية والاحتياطي النقدي
شهد الظروف الخارجية لمصر تحسنًا ملحوظًا رغم الضغوط المؤقتة، إذ تم تعويض ارتفاع تكاليف واردات الطاقة من خلال نمو عائدات الصادرات، وتسجيل تحويلات العاملين بالخارج قياسات مرتفعة، واستمرار تعافي إيرادات قناة السويس لتصل إلى 3.4 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من السنة المالية 2026. وفي أعقاب الاتفاق المبدئي بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفعت حيازات الأجانب من أوراق الدين الحكومية بالعملة المحلية إلى 34.5 مليار دولار في سبتمبر 2026.
وسمحت عودة التدفقات للبنك المركزي المصري بشراء العملات الأجنبية ليرتفع احتياطي الأصول الدولية إلى رقم قياسي بلغ 54.5 مليار دولار، في حين حقق صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي أعلى مستوى له في ست سنوات ببالغ 31.2 مليار دولار.
مسار التضخم وتوقعات الفائدة
تتوقع الوكالة استمرار اضطرابات الشرق الأوسط حتى عام 2027، مما يضع ضغوطًا على واردات الطاقة في ظل كون مصر مستوردًا صافيًا للهيدروكربونات، وتظل الانقطاعات المتقطعة لتدفقات الغاز خطرًا قائمًا.
على صعيد السياسة النقدية، تتوقع S&P بقاء العوائد المحلية مرتفعة نظراً لمحدودية مجال التيسير النقدي، حيث تسارع التضخم إلى 15.2% في مارس الماضي قبل أن يتراجع إلى 14.5% في أغسطس. دفع ذلك البنك المركزي المصري لإبقاء أسعار الفائدة الرئيسية للإيداع والإقراض عند 19% و20% في سبتمبر متوقفًا عن دورة التيسير النقدي.
من المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 12.9% في السنة المالية 2026/2027، مما يجعل تراجع العوائد يتم بشكل تدريجي، لتستقر نسبة الفائدة إلى الإيرادات الحكومية عند 60% في السنة المالية 2027 و53% في السنة المالية 2028.
مرونة النمو واكتساب زخم الإصلاحات الهيكلية
سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا بنسبة 5.1% في السنة المالية 2026 مدعومًا بقطاعات الصناعات التحويلية غير النفطية والتجارة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة، إلى جانب الاستهلاك العائلي. وتتوقع الوكالة تباطؤ النمو إلى 4.5% في السنة المالية 2027 جراء اضطرابات الملاحة والتجارة. وتواصل الحكومة تنفيذ أجندة الإصلاح الهيكلي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وشملت خفض الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية، وحظر القروض المدعومة للشركات المملوكة للدولة. وعلى الرغم من تباطؤ مسار الخصخصة بسبب ظروف التقييم، تتوقع الحكومة جمع 1.5 مليار دولار إضافية بحلول نهاية برنامج الصندوق في ديسمبر 2026، تتضمن حصيلة بيع مزرعة رياح جبل الزيت وحصص في شركات مدرجة.
الدعم الخارجي والوضع المالي للحكومة
تواصل مصر الاستفادة من دعم خارجي قوي يشمل شرائح صندوق النقد الدولي وحزمة التمويل والاستثمار الأوروبية البالغة 7.4 مليارات يورو للفترة 2024-2028، فضلاً عن استمرار الدعم المالي من دول مجلس التعاون الخليجي عبر استثمارات ضخمة مثل مشروع رأس الحكمة البالغ 35 مليار دولار واتفاقية تطوير منطقة علم الروم مع قطر، إلى جانب الودائع الخليجية البالغة 18 مليار دولار.
وفيما يتعلق بالمالية العامة، نجحت الحكومة في تقليص عجز الموازنة إلى 5.8% في السنة المالية 2026، ومن المتوقع انخفاض الدين العام إلى 87% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027. ورغم كبر حجم الاحتياجات التمويلية واقتصار متوسط أجل الدين المحلي على 1.1 سنة، يظل الجهاز المصرفي مصدراً مستقراً لتلبية الاحتياجات التمويلية الحكومية بالعملة المحلية.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا