رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

الهندسة العكسية للاقتصاد المصري: حتمية استعادة فاعلية السياسة النقدية في ظل القيود المالية

بقلم/ أنور محمود النقيب

أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل بكلية العلوم الادارية -أكاديمية السادات

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في هيكل السياسة النقدية المصرية، تمثل في الارتفاع غير المسبوق للسيولة المحلية، واتساع حجم التزامات البنك المركزي تجاه البنوك، وتزايد تكلفة إدارة السياسة النقدية، بالتوازي مع استمرار الضغوط التضخمية وتراجع فعالية بعض الأدوات النقدية التقليدية. وعادة ما يجري تفسير هذه الظواهر من منظور تقليدي يركز على قرارات البنك المركزي المتعلقة بأسعار الفائدة أو الاحتياطي الإلزامي أو إدارة السيولة. إلا أن هذا المدخل يظل قاصراً عن تفسير الجذور الحقيقية للمشكلة، لأنه يتعامل مع النتائج أكثر من تعامله مع الأسباب.

ومن هنا تبرز أهمية منهج “الهندسة العكسية الاقتصادية”، الذي يقوم على الانطلاق من النتائج النهائية القائمة ثم تتبع سلسلة الأسباب التي قادت إليها. فبدلاً من السؤال التقليدي: ما السياسات التي اتخذها البنك المركزي وما نتائجها؟ يصبح السؤال الأكثر عمقاً: كيف وصل الاقتصاد المصري إلى وضع أصبحت فيه السيولة المحلية تتجاوز 14 تريليون جنيه، وأصبح البنك المركزي مضطراً إلى سحب تريليونات الجنيهات من السوق مقابل فوائد مرتفعة؟ وما هي الحلقة الأولى في هذه السلسلة الطويلة من الأحداث؟

إذا بدأنا من النتيجة النهائية، فإن أول ما يلفت الانتباه هو الحجم الضخم للسيولة المحلية داخل الاقتصاد المصري. فقد ارتفعت السيولة من نحو 1.3 تريليون جنيه عام 2013 إلى ما يقرب من 12.8 تريليون جنيه عام 2025، بالتوازي مع ارتفاع الودائع المصرفية إلى ما يقرب من 13 تريليون جنيه. ولم يكن ذلك مجرد نمو طبيعي للاقتصاد، بل جاء بمعدلات تفوق كثيراً معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي. ففي العديد من السنوات، تجاوز نمو النقد المصدر عدة أضعاف معدل نمو الاقتصاد الحقيقي، وهو ما خلق فجوة متزايدة بين التوسع النقدي والتوسع الإنتاجي.

لكن الهندسة العكسية لا تتوقف عند هذه النتيجة، بل تعود خطوة إلى الخلف لتسأل: ما الذي أنتج هذا الفائض الضخم من السيولة؟. حيث تكشف البيانات الصادرة عن البنك المركزي أن المصدر المباشر كان التوسع المستمر في النقود عالية القوة أو ما يعرف بالقاعدة النقدية. فقد ارتفع النقد المصدر من نحو 264 مليار جنيه عام 2013 إلى أكثر من 1.5 تريليون جنيه عام 2025. والأهم من ذلك أن هذه الزيادة لم تتوقف عند حدود قيمتها الاسمية، بل تضاعفت عبر آلية المضاعف النقدي، بحيث تحول كل جنيه جديد في القاعدة النقدية إلى عدة جنيهات من السيولة المتداولة داخل الاقتصاد.

وهنا تظهر الحلقة الثانية في سلسلة الهندسة العكسية. فالمشكلة ليست في السيولة ذاتها، بل في المصدر الذي أنشأها. فمن الناحية النظرية، لا يمثل نمو عرض النقود مشكلة إذا كان متسقاً مع نمو الاقتصاد الحقيقي. أما عندما تنمو القاعدة النقدية بمعدلات تفوق بكثير نمو الناتج الحقيقي، فإن النتيجة الطبيعية هي تراكم السيولة وظهور ضغوط تضخمية وتشوهات في تخصيص الموارد.

وبالرجوع خطوة أخرى إلى الخلف، يتبين أن البنك المركزي حاول معالجة آثار هذه السيولة من خلال أدوات السياسة النقدية التقليدية. فقد رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي تدريجياً من 10% إلى 14% ثم إلى 18%، كما استخدم عمليات السوق المفتوحة وسعر الكوريدور لسحب السيولة من البنوك. لكن هذه الإجراءات واجهت معضلة جوهرية؛ إذ كانت تعالج نتائج التوسع النقدي بينما استمرت أسباب التوسع نفسها في العمل.

وبذلك دخلت السياسة النقدية في حالة من التناقض الداخلي. فمن ناحية، كانت سياسة الإصدار النقدي تتجه نحو التوسع، بينما كانت أدوات سعر الفائدة والاحتياطي الإلزامي تتجه نحو الانكماش. وبدلاً من أن تعمل أدوات السياسة النقدية في اتجاه واحد، أصبحت بعض الأدوات تضخ السيولة بينما تحاول أدوات أخرى امتصاصها.

ومن هنا نصل إلى النتيجة التالية في سلسلة الهندسة العكسية: تضخم التزامات البنك المركزي تجاه البنوك. فمع استمرار فائض السيولة، اضطر البنك المركزي إلى إجراء عمليات واسعة لسحب الأموال من السوق مقابل دفع فوائد للبنوك. ونتيجة لذلك ارتفعت التزامات البنك المركزي تجاه البنوك من نحو 166 مليار جنيه إلى أكثر من 3.3 تريليون جنيه خلال فترة قصيرة نسبياً.

وتكشف هذه النتيجة عن مفارقة اقتصادية مهمة. فالنقود التي جرى إصدارها في البداية بتكلفة تكاد تكون صفراً تحولت لاحقاً إلى التزامات مرتفعة التكلفة يتحملها البنك المركزي في صورة فوائد مدفوعة للبنوك. وبذلك أصبح البنك المركزي يخلق السيولة من ناحية، ثم يدفع تكلفة مرتفعة لامتصاصها من ناحية أخرى. بمعني آخر، من جهة أدى التوسع النقدي إلى خلق سيولة ضخمة داخل الاقتصاد. ومن جهة أخرى، اضطر البنك المركزي إلى التدخل بصورة مستمرة لسحب هذه السيولة من خلال أدوات السوق المفتوحة والودائع المربوطة وآليات الكوريدور، مقابل أسعار فائدة مرتفعة. وبذلك تحولت النقود التي جرى إصدارها بتكلفة شبه معدومة إلى التزامات مرتفعة التكلفة يتحملها البنك المركزي لصالح البنوك. ومع مرور الوقت، تراكمت هذه الالتزامات وارتفعت تكلفتها، ما انعكس على هيكل ميزانية البنك المركزي وأدائه المالي.

لكن الهندسة العكسية ترفض التوقف عند هذا المستوى من التحليل، لأن السؤال الأهم لا يزال قائماً: لماذا جرى التوسع في القاعدة النقدية بهذا الشكل منذ البداية. فهنا تبدأ جذور الأزمة الحقيقية في الظهور. فالدراسة المتعمقة تشير بوضوح إلى أن تطور النقود عالية القوة في مصر لا يمكن تفسيره بالسياسة النقدية وحدها، بل يرتبط بصورة وثيقة بتطور الدين العام واحتياجات تمويل الموازنة العامة. فكلما اتسع العجز المالي، ازدادت الحاجة إلى التمويل، وارتفعت الضغوط الواقعة على البنك المركزي للتوسع في خلق النقود أو استيعاب إصدارات الدين الحكومي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ومن ثم فإن التوسع النقدي لم يكن قراراً نقدياً خالصاً يستهدف إدارة الطلب الكلي أو تحقيق الاستقرار السعري، وإنما كان انعكاساً لمتطلبات مالية أوسع فرضتها أوضاع المالية العامة للدولة. وهنا تظهر ظاهرة “الهيمنة المالية”، التي تعني خضوع السياسة النقدية لاحتياجات السياسة المالية، بحيث يصبح البنك المركزي مطالباً بالتكيف مع متطلبات تمويل العجز أكثر من التزامه بأهداف استقرار الأسعار. ومن خلال هذا المنظور، يتغير فهمنا الكامل للمشكلة. فطباعة النقود لم تكن السبب الأول للأزمة، بل كانت إحدى نتائجها. حيث ان التوسع النقدي لم يكن في جوهره استجابة لاحتياجات النمو الاقتصادي الحقيقي، وإنما جاء في سياق احتياجات تمويلية متزايدة فرضتها أوضاع المالية العامة للدولة. ومع استمرار العجز المالي الهيكلي، وارتفاع أعباء خدمة الدين، ومحدودية الموارد الحقيقية المتاحة للتمويل، أصبحت السياسة النقدية مطالبة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتكيف مع متطلبات السياسة المالية

ويفسر هذا الأمر أيضاً التحولات التي شهدتها الميزانية العمومية للبنك المركزي خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت نسبة الخصوم التي يتحمل عنها البنك المركزي فوائد إلى أكثر من نصف إجمالي التزاماته، بينما تراجعت نسبياً الأصول المدرة للعائد. وأدى هذا الاختلال بين الأصول والخصوم إلى ضغوط مالية متزايدة انعكست في الخسائر التي سجلها البنك المركزي خلال عدد من السنوات، وتراكم خسائر مرحلة بلغت مئات المليارات من الجنيهات.

ومن منظور الهندسة العكسية، فإن خسائر البنك المركزي ليست هي المشكلة في حد ذاتها، وإنما هي النتيجة النهائية لسلسلة طويلة بدأت بالعجز المالي، ثم انتقلت إلى التوسع النقدي، ثم إلى تضخم السيولة، ثم إلى عمليات امتصاص السيولة المكلفة، وانتهت إلى تضخم الالتزامات والخسائر.

ولهذا السبب فإن البدائل التي نطرحها هنا يجب النظر إليها باعتبارها محاولات للتعامل مع نتائج الأزمة أو مع جذورها بدرجات متفاوتة. فالبدائل التي تركز على تخفيض الالتزامات للبنك المركزي أو إدارة السيولة تعالج الآثار المباشرة للمشكلة، بينما تقترب البدائل التي تدعو إلى خفض معدلات نمو القاعدة النقدية من معالجة السبب الأساسي. ولهذا اعتبرت الدراسة أن البديل الأمثل يتمثل في الإبقاء على معدلات نمو القاعدة النقدية أقل من معدلات نمو الناتج الحقيقي لعدة سنوات متتالية، بما يسمح بامتصاص الفائض النقدي المتراكم تدريجياً وإعادة التوازن بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي.

غير أن نجاح هذا البديل يظل مشروطاً بمعالجة الحلقة الأعمق في سلسلة الأسباب، وهي الهيمنة المالية. فطالما استمر العجز المالي المرتفع، واستمرت الحاجة إلى تمويله، فإن الضغوط على السياسة النقدية ستظل قائمة مهما كانت جودة الأدوات النقدية المستخدمة. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من البنك المركزي وحده، بل يبدأ من المالية العامة للدولة، ومن قدرتها على خلق موارد حقيقية ومستدامة تقلل الاعتماد على التمويل النقدي.

وتقودنا الهندسة العكسية في النهاية إلى استنتاج جوهري: إن أزمة السيولة والتضخم وخسائر البنك المركزي في مصر ليست أزمة نقدية بالأساس، وإنما هي انعكاس نقدي لاختلالات مالية ومؤسسية أعمق. فالبنك المركزي لم يكن صانع المشكلة الوحيد، بل كان في كثير من الأحيان الطرف الذي يحاول إدارة نتائج اختلالات بدأت خارج نطاقه. ومن ثم فإن استعادة التوازن النقدي تتطلب إعادة التوازن للعلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، وربط نمو السيولة بالنمو الحقيقي للاقتصاد، حتى تعود السياسة النقدية إلى دورها الطبيعي كأداة لتحقيق الاستقرار لا كوسيلة لمعالجة اختلالات مالية مزمنة.

وهكذا تكشف الهندسة العكسية أن ما يبدو في ظاهره أزمة طباعة نقود ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ بعجز الموازنة العامة للدولة، وتمر بالهيمنة المالية، وتنتهي بفائض السيولة وتضخم ميزانية البنك المركزي. ومن دون معالجة هذه الحلقة الأولى، ستظل الأدوات النقدية تدور في حلقة مفرغة تعالج النتائج بينما تظل الأسباب قائمة.

واجمالاً، فان المرض الحقيقي فيكمن في الاختلال المؤسسي بين السياسة المالية والسياسة النقدية. ولذلك فإن تحقيق الاستقرار النقدي المستدام يتطلب إعادة بناء هذه العلاقة على أسس أكثر اتساقاً، بحيث يرتبط نمو السيولة بالنمو الحقيقي للاقتصاد، وتستعيد السياسة النقدية استقلاليتها، وتتراجع الحاجة إلى استخدام الإصدار النقدي كأداة لمعالجة اختلالات مالية أعمق وأكثر تعقيداً.

 

 

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

 

 

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

الحكومة تناقش تدبير الاعتمادات المالية لتوفير المنتجات البترولية

ناقش اجتماع حكومي، اليوم الأحد، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي،...

منطقة إعلانية