كتب: محمد غنيم – محمود الشاهد – سارة حمزة
“معظمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ”، هكذا لخّص هشام عز العرب، المصرفي المخضرم والرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي، وهو أكبر بنك خاص في مصر، وجهة نظره في طريقة عمل شركات التمويل الاستهلاكي في مصر، والتي أثارت الجدل حول قدرة المقترضين على السداد في ظل تصاعد الأسعار وتغير متطلبات الحياة اليومية في السنوات الأخيرة.
كلمات عز العرب، التي بدأت مع الشرق بلومبرج وامتدت إلى برنامج الحكاية، الذي يمكن أن يُعدّ الأوسع متابعةً في مصر، أثارت الجدل، خاصةً في ظل ارتفاع معدلات التمويل الاستهلاكي بشكل لافت في الآونة الأخيرة.
وبحسب أحدث تقرير شهري للهيئة العامة للرقابة المالية، التي تخضع لها شركات التمويل الاستهلاكي، بلغت قيمة التمويلات في يناير الماضي 8.5 مليار جنيه، ارتفاعًا من 5.5 مليار جنيه في الشهر نفسه من العام الماضي، كما قفزت أعداد العملاء في يناير وحده إلى 1.2 مليون عميل، مقارنةً بـ761 ألفًا فقط قبل عام.
كما قالت هيئة الرقابة المالية في بيان قبل يومين، إن حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي بلغ نحو 417 مليار جنيه، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون، وسجلت نسب التعثر 3%.
وبحسب التقرير، بلغ عدد رخص شركات التمويل الاستهلاكي 48 رخصة، واستفاد من التمويل نحو 10.8 مليون عميل بقيم تمويل تجاوزت 96.3 مليار جنيه، مقارنةً مع 61.3 مليار جنيه بنهاية عام 2024، محققةً معدل نمو بلغ 57%.
تحذيرات مصرفية
حذر نائب الرئيس التنفيذي للمصرف المتحد، فرج عبد الحميد، من اندفاع بعض شركات التمويل الاستهلاكي الناشئة نحو التساهل في الضوابط الائتمانية بهدف التوسع السريع وزيادة الحصص السوقية، مؤكدًا أن الأمر يتطلب تدخلًا رقابيًا حاسمًا لتشديد الفحص عبر شركة الاستعلام الائتماني “آي سكور”، تجنبًا لظهور أزمات مالية مشابهة لأزمة الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة.
أوضح عبد الحميد أن قطاع التمويل غير المصرفي أصبح يستحوذ على حجم ائتمان ضخم، مع منافسة مباشرة للبنوك في تمويل الأفراد، مشيرًا إلى أن اعتماد تلك الشركات على التكنولوجيا المالية وتبسيط الإجراءات يمنحها سرعةً أكبر في تلبية احتياجات العملاء مقارنةً بالبنوك.
من جانبها، قالت نائب رئيس بنك مصر السابق، سهر الدماطي، إن أموال المودعين بالبنوك تمثل المصدر الرئيسي لتمويل شركات التمويل غير المصرفي، محذرةً من أن أي ارتفاع في معدلات تعثر العملاء سينعكس بصورة مباشرة على القطاع المصرفي وقدرة تلك الشركات على سداد التزاماتها تجاه البنوك.
أضافت أن التوسع المفرط في القروض الاستهلاكية، بالتزامن مع مستويات الفائدة المرتفعة، يرفع أعباء الدين إلى مستويات غير آمنة، بما قد يؤدي إلى أزمات تعثر مستقبلية نتيجة ضعف قدرة بعض العملاء على السداد، كما انتقدت ما وصفته “بآليات الفحص البدائية” لدى بعض الشركات الناشئة، والتي تعتمد – بحسب قولها – على البطاقة الشخصية وعضوية النادي، إلى جانب الاستعلام عبر “آي سكور”، دون دراسة كافية لمصدر الدخل أو القدرة الفعلية على السداد.
لا تقدم البنوك قروضا شخصية لعملائها دون عدة شروط أبرزها الشهادات البنكية أو إثبات مصدر دخل ثابت، أو أصل كضمان للقرض، إلى جانب الاستعلام عبر “آي سكور”.
“الهيئة العامة للرقابة المالية بدأت تطبيق معايير بازل 3 على شركات التمويل غير المصرفي، بهدف تعزيز كفاية رأس المال، وإدارة مخاطر أسعار الفائدة، وضبط حدود الائتمان والسيولة داخل الشركات”، قالت الدماطي.
“بازل 3” هي مجموعة من القواعد والمعايير الدولية لتنظيم عمل البنوك والمؤسسات المالية، وُضعت عقب الأزمة المالية العالمية في 2008 بهدف تعزيز استقرار القطاع المالي وتقليل احتمالات تعرضه لأزمات حادة. وضعتها لجنة بازل للرقابة المصرفية التابعة لبنك التسويات الدولية، وتركز بشكل أساسي على رفع جودة رأس المال لدى البنوك، وتحسين إدارة السيولة، وتعزيز الرقابة على المخاطر الائتمانية والتشغيلية ومخاطر السوق.
تُلزم معايير “بازل 3” المؤسسات المالية بالاحتفاظ بمستويات كافية من رأس المال والسيولة لمواجهة فترات التباطؤ أو التعثر، كما تفرض اختبارات ضغط ورقابة أكثر صرامة على التوسع في الإقراض. وفي مصر، يطبق البنك المركزي المصري هذه المعايير على القطاع المصرفي، بينما بدأت الهيئة العامة للرقابة المالية التوسع في تطبيق قواعد مشابهة على بعض الأنشطة المالية غير المصرفية، مثل التمويل الاستهلاكي والتأجير التمويلي، بهدف تعزيز الاستقرار المالي وتقليل مخاطر التعثر.
رئيس الرقابة المالية الأسبق: البنوك أكبر ممول لشركات التمويل
قال رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق، شريف سامي، إن البنوك تعد المصدر الأكبر لتمويل شركات التمويل الاستهلاكي، كما أن سندات التوريق التي تستخدمها الشركات في التمويل تخضع بدورها لتصنيفات ائتمانية، ويشارك في شرائها بنوك وشركات تأمين وصناديق استثمار.
“شركات التمويل الاستهلاكي تحقق عوائد أعلى من البنوك، وهو ما يسمح لها بتحمل مستويات مخاطر أكبر والتعامل مع شرائح من العملاء قد لا تستوفي معايير البنوك التقليدية”، تابع سامي في حديثه لـ”إيكونومي بلس”.
أشار سامي إلى أن سوق التمويل الاستهلاكي، قبل صدور القانون، كان يعمل بصورة غير منظمة، بينما أوجد القانون الحالي جهةً رقابية تشرف على الشركات وتتلقى شكاوى العملاء.
لفت أيضا إلى أن الأقساط العقارية التي يقدمها المطورون العقاريون تمثل – بحسب وصفه – أكبر نشاط تمويلي غير منظم في مصر، نظرًا لعدم خضوعه لإشراف مباشر أو تسجيل التزامات العملاء لدى شركات الاستعلام الائتماني، رغم امتداد فترات التقسيط إلى 15 عامًا في بعض الحالات.
اختتم رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية الأسبق تصريحاته بالتأكيد على أهمية الحذر وتحسين جودة إدارة المخاطر، مع ضرورة توعية المواطنين بعدم التوسع في الإنفاق على احتياجات غير ضرورية قد تؤدي إلى ضغوط مالية مستقبلية.
برلماني: القطاع المالي غير المصرفي ضروري لكن يجب تعزيز الرقابة
“النقاش الحالي لا يجب أن يتحول إلى معركة بين مؤيد ومعارض، فالقطاع المالي غير المصرفي ضروري وله دور حقيقي في دعم الشمول المالي والنشاط الاقتصادي، لكن نجاحه يفرض الحاجة إلى مرحلة أكثر نضجًا من التنظيم والرقابة”، هكذا وصف محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، الجدل الحالي.
تابع فؤاد في حديثه لـ” إيكونومي بلس” أن المطلوب ليس وقف التمويل، بل ضمان الإقراض العادل، من خلال التأكد من قدرة المقترضين الحقيقية على السداد، والإفصاح الكامل عن التكلفة والمخاطر، ومنع تصميم منتجات تدفع المواطن عمليًا إلى دوامة اقتراض مستمرة، مشيرًا إلى أن الخطر الحقيقي ليس في وجود التمويل، بل في الوصول تدريجيًا إلى نسخة مقننة وحديثة من ظاهرة المرابين التقليديين.
الأرقام تكذب؟!
فؤاد أشار إلى وجود تباين واضح في معدلات التعثر داخل القطاع المالي غير المصرفي، ففي الوقت الذي أعلنت فيه إحدى أكبر الشركات العاملة بالقطاع عن معدل تعثر يبلغ 1.24%، بحصة سوقية تصل إلى 26.5%، أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية أن متوسط التعثر في القطاع يبلغ نحو 3%.
“هذا يعني إحصائيًا أن بعض الشركات الأخرى داخل السوق قد يكون لديها معدلات تعثر أعلى بصورة ملحوظة قد تتجاوز 5%، خاصة بين الكيانات الأصغر والأقل خضوعًا للرصد والمتابعة”، قال فؤاد.
أضاف أن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا مع ما أورده تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي المصري في مارس، والذي أشار إلى ارتفاع نسبة القروض غير المنتظمة بشركات التمويل الاستهلاكي من 5.8% في 2023 إلى 6.6% في 2024، وهو ما يجعل منهجية احتساب نسب التعثر الحالية بحاجة إلى قدر أكبر من التوضيح الفني.
إحاطة لرئيس الوزراء
تقدم محمد فؤاد بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء بشأن مدى كفاية وفعالية تطبيق قانون تنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي رقم 18 لسنة 2020، وتقييم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التوسع السريع في أنشطة التمويل الاستهلاكي والتمويل الرقمي غير المصرفي.
أكد فؤاد أن الهدف الطلب ليس الدخول في حالة استقطاب أو التشكيك في أهمية قطاع التمويل غير المصرفي، وإنما فتح نقاش مؤسسي هادئ داخل البرلمان يستند إلى البيانات والرقابة الفنية، بما يضمن حماية استقرار السوق واستمرار دوره في دعم الشمول المالي والنشاط الاقتصادي.
رئيس سهولة: جميع الشركات لديها مخصصات
أكد الرئيس التنفيذي لشركة “بي إم للتمويل الاستهلاكي – سهولة” التابعة لبنك مصر، أحمد الشنواني، أن جميع الشركات التي تعمل في قطاع التمويل لديها مخصصات لتجنب مخاطر عدم السداد، وفقا لضوابط هيئة الرقابة المالية.
وقال الشنواني إن شركات التمويل لا تواجه مخاطر سيولة نظرًا لأنها لا تتعامل بودائع العملاء، وإنما تواجه بالأساس مخاطر عدم السداد، لافتًا إلى وجود مخصصات إلزامية تتراوح بين 10% و12% من المحفظة لمواجهة احتمالات التعثر.
“أي عملية تمويل تخضع لدراسة تفصيلية تشمل تقييم دخل العميل ومديونياته والاستعلام الائتماني، موضحًا أن التوسع في نشاط التمويل يتم بصورة مدروسة وفقًا لضوابط تضعها الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي”، تابع الشنواني.
أضاف أن شركات التمويل تحتسب عبء الدين لكل عميل قبل منحه التمويل، مؤكدًا أن الاقتراض غير المدروس يمثل خطرًا على الشركات نفسها، لذا تعتمد على سياسات تمويل منضبطة للحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية.
تابع “البنوك نفسها تراجع السياسات الائتمانية وحجم التحصيلات قبل منح التمويل لشركات التمويل الاستهلاكي، ما يعكس وجود رقابة غير مباشرة من القطاع المصرفي على أداء تلك الشركات”.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا