مقالات

الشبكات الدولية الجديدة لا تضم أمريكا

يعد الوصول للشبكات المالية العالمية مصدراً مهماً للقوة والنفوذ فى عالم اليوم، رغم احتمالية الضعف التى قد تتولد أيضاً عن الاعتماد المتبادل الناتج عن تلك الشبكات.
فى واقع الأمر، تتدفق القوة والنفوذ من المركزية: وهى أن تكون مركزاً لكل أو معظم نقاط التقاطع الأخرى، وحينها يكون التهديد بالحرمان من الوصول لتلك المراكز عقوبة قاسية للمشاركين غير المطيعين، لكن إذا أُسىء استخدام القوة ــ بتحويل الاعتماد المتبادل غير المتكافئ إلى سلاح ــ فقد يقرر المشاركون فى أى شبكة إنشاء شبكة بديلة خاصة بهم.
ذلك هو الخطر الذى يهدد الولايات المتحدة حالياً، فهى تمتلك العملة الاحتياطية الرئيسة فى العالم، وتتمتع بدور مركزى فى الشبكات المالية العالمية، لكنها تستخدم هذا الوضع سعياً لتحقيق أهداف تتعلق بالسياسة الخارجية من شأنها أن تضعف مركزيتها، وبالتالى نفوذها فى الأمد البعيد.
ومن الشواهد الرئيسة على ذلك، تلك الأزمة المتصاعدة مع إيران، التى بدأت فى مايو من العام الماضى، عندما انسحبت الولايات المتحدة منفردة من الاتفاق النووى المبرم عام 2015، والمعروف رسمياً بخطة العمل الشاملة المشتركة.
الأسوأ من هذا أن تفرض الولايات المتحدة قراراها منذ ذلك الحين على الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق ــ بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين، وألمانيا، والاتحاد الأوروبى ــ من خلال التهديد بعقوبات ثانوية ضد الأطراف الثالثة التى تلتزم بخطة العمل الشاملة المشتركة.
نظرياً، كان يُفترض أن تكون لدى الأطراف التى لم تنسحب من خطة العمل الشاملة المشتركة القدرة على مواصلة مباشرة أعمالها مع إيران، لكن الولايات المتحدة، بعد أن تذرعت باتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبى صيغت فى الأساس لمحاربة القاعدة، استطاعت فرض عقوباتها الثانوية من خلال جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك «سويفت» التى تتخذ من بلجيكا مقراً لها.
وتحت ضغط من الولايات المتحدة، اضطرت جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك لحظر البنوك الإيرانية من نظام المدفوعات العالمى الذى تشرف عليه، لتعزل إيران فعلياً عن النظام المالى العالمى، وتقيد قدرتها على مباشرة الأعمال والصفقات حتى مع الدول التى لم تقر هذه الخطوة.
وكحال كثير من الشركات الأوروبية، تحظى جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك بوجود قانونى ومركز بيانات فى الولايات المتحدة، ولو رفضت الانصياع للأوامر الأمريكية، لواجهت غرامات باهظة، وفقدت تأشيرات دخول موظفيها لأمريكا، وحُرمت من الحصول على الدولارات الأمريكية.
ثم حدث أن أعلنت فرنسا وألمانيا وبريطانيا عن خطط لإنشاء أداة ذات غرض خاص تسمى أداة دعم التبادل التجارى «إنستكس»، التى تتيح تدفق السلع بين أوروبا وإيران دون تدفقات مالية ثنائية مباشرة، من خلال التعامل بحساب صافى الصادرات والواردات، لكن تعاملات «إنستكس» كانت عملياً مقصورة على السلع الإنسانية غير الخاضعة للعقوبات الأميركية، وقد جمدت الولايات المتحدة فعلياً المشاركة فى الاتفاق، لكن بغض النظر عن نجاح الولايات المتحدة فى إخضاع إيران لإرادتها من عدمه، وهى نتيجة تبدو مستبعدة للغاية حالياً ــ فقد قوّت إدارة ترمب حوافز الدول الأخرى للالتفاف على النظام المالى الأمريكى برمته.
وقلصت روسيا أوجه ضعفها الخارجية رداً على العقوبات الغربية المفروضة عقب تدخلها فى أوكرانيا عام 2014، وأضحت الآن بمثابة السوق الناشئة الكبرى الوحيدة التى تتمتع بفوائض مالية وفوائض فى الحساب الجارى، ودين حكومى منخفض، واحتياطى كبير، كما لم تعد تخشى فقدان إمكانية الوصول لأسواق التمويل العالمية، إضافة لتقوية علاقاتها مع الصين، إذ أعلنت الدولتان مؤخراً عن نظام جديد للمدفوعات عبر الحدود لإرساء نظام ثنائى للتجارة بعملتى الرنمينبى والروبل، مع التخطيط لبدء التعاملات بهما هذا العام، وقد عبرت كل من إيران وتركيا عن رغبتهما فى الانضمام لهذا النظام منذ الإعلان عنه.
فى الوقت ذاته، تمتلك كل من الهند واليابان بالفعل نظماً محلية مستقلة للدفع، كما أطلقت روسيا نظام للدفع بالبطاقات للتحايل على شبكات بطاقات الائتمان الموجودة فى الولايات المتحدة.
وبالمثل، ظهرت فى الصين تطبيقات الدفع عبر الهواتف المحمولة، مثل تطبيق «أليباى» التابع لمجموعة «على بابا» وتطبيق «وى تشات باى» التابع لشركة «تينسنت»، التى أغنت العملاء عن بطاقات الائتمان كلية، بالدفع مباشرة عبر هواتفهم الذكية.
وحتى لا يتخلف «فيس بوك» عن الركب، فقد أعلن هو الآخر عن إنشاء عملة رقمية مشفرة جديدة يُفترض أن تكون متاحة لكل مستخدميه، الذين يزيد عددهم خارج الولايات المتحدة على داخلها بكثير.
ومع توقع مثل تلك التحركات من جانب خصوم الولايات المتحدة، نجد أن الأوروبيون أيضاً يبحثون عن بدائل. فهناك دول أوروبية تحتفظ بروابط وثيقة مع روسيا، بل إن بعض الدول الأوروبية وقعت بالفعل للمشاركة فى «مبادرة الحزام والطريق» الصينية.
وربما وفر الارتباط بنظام روسى صينى للدفع حماية عظيمة ضد المساعى الأمريكية المحتملة لفرض عقوبات على مشروعات تخدم مصالح أوروبية كبيرة، مثل خط أنابيب غاز نورد ستريم 2 بين روسيا وألمانيا.
فضلاً عن ذلك، أصبح الاتحاد الأوروبى أكثر حزماً وتأكيداً فى إعلان سيادته الاقتصادية، حتى أنه وجه الدعوة إلى الأطراف الأخرى فى خطة العمل الشاملة المشتركة للانضمام إلى أداة دعم التبادل التجارى «إنستكس».
ولطالما اتسم الموقف الرسمى للاتحاد الأوروبى بالنأى عن تشجيع أو عدم تشجيع وجود دور دولى لليورو، لكن المفوضية الأوروبية وضعت مؤخراً مقترحات لتوسيع استخدام اليورو لغير المقيمين، بما فى ذلك التجارة بقطاعات الطاقة والغذاء والفضاء الجوى.
وربما وفرت رغبة أوروبا فى تقليل اعتمادها على النظام المالى الأمريكى باعثاً لتكامل نقدى ومالى أعمق، خاصة مع قدوم العام 2020، الذى سيشهد تنصيب قادة أوروبيين جدد واكتمال الخروج البريطانى من الاتحاد الأوروبى.
وكما أوضح بارى آيكنجرين، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا فى بيركلى فإن إعادة توازن القوى داخل النظام المالى العالمى قد تتولد إما من كوارث تاريخية، مثل الحروب العالمية، أو من تغييرات مؤسسية، فقد أسهم تأسيس نظام الاحتياطى الفدرالى الأمريكى مثلاً فى نقل مركز الجاذبية فى المالية العالمية من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، وهذه المرة نجد اللاعب المركزى فى النظام يسىء استخدام مركزه بطرق تدفع الآخرين، بما فيهم حلفاءه، لتطوير شبكات بديلة.
وفى عالم متشابك تعتمد فيه قوة الإكراه الاقتصادى على شبكات معينة من الاتصالات والعلاقات، تمثل الشبكات ذاتها مورداً عظيم القيمة، لكنها ليست موارد طبيعية، بمعنى أنه يجب بناؤها وصيانتها من خلال إدارة مسئولة، ومن ثم لا ينبغى لإدارة ترامب أن تتعامل معها على أنها من المسلَّمات.

بقلم: أيلين ريباكوفا

نائب كبير الاقتصادين في معهد التمويل العالمي

بقلم: آن مارى سلوتر

مدير سابق للتخطيط السياسى بوزارة الخارجية الأمريكية، والمدير التنفيذى لمركز أبحاث “نيو أمريكا”

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

قبل غرق السفينة.. كشف حساب للأهداف الإنمائية العالمية

مفتاح نجاح الاستراتيجية الأممية بيد القطاع العام الصحة والتعليم والزراعة...

المستثمرون بانتظار موجة تحفيز اقتصادى جديدة

يتوقع المستثمرون موجة جديدة من إجراءات التحفيز لتعزيز النمو الاقتصادى...