رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

طباعة النقود وتجنب إعادة اختراع العجلة

بقلم/ أنور محمود النقيب

أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل بكلية العلوم الادارية -أكاديمية السادات

يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى: إذا كانت البنوك المركزية قادرة على طباعة النقود متى شاءت، فلماذا لا تطبع ما يكفي للقضاء على الفقر، وسداد الديون، وتمويل التنمية، وجعل الجميع أكثر ثراءً؟ وإذا كانت النقود لم تعد مرتبطة بالذهب منذ انهيار نظام بريتون وودز عام 1971، وأصبحت مجرد عملة ورقية أو أرقام إلكترونية تصدرها الدولة، فما الذي يمنع الحكومات من إصدار كميات غير محدودة منها؟. في الحقيقة، يعد هذا السؤال أحد أكثر الأسئلة عمقاً في علم الاقتصاد، لأنه يميز بين النقود باعتبارها وسيلة للتبادل، والثروة باعتبارها ناتجاً للإنتاج والعمل والاستثمار. فالنقود في حد ذاتها لا تمثل ثروة، وإنما تمثل حقاً في الحصول على السلع والخدمات التي ينتجها الاقتصاد. ولذلك، فإن زيادة كمية النقود لا تعني بالضرورة زيادة الثروة، ما لم يصاحبها توسع مماثل في إنتاج السلع والخدمات.

وقد أدى إنهاء ارتباط الدولار الأمريكي بالذهب عام 1971 إلى انتقال العالم إلى نظام النقد الورقي (Fiat Money)، حيث أصبحت قيمة العملة تستند إلى الثقة في الدولة وقوة اقتصادها وكفاءة مؤسساتها، وليس إلى غطاء ذهبي أو اذون وسندات وعملات اجنبية او أي احتياطيات مادية اخري. ومنذ ذلك الحين، أصبحت عملية إصدار النقود أكثر سهولة من الناحية الفنية، وأصبحت البنوك المركزية تمتلك مرونة واسعة في إدارة السيولة والائتمان. إلا أن هذه المرونة صاحبتها مسؤولية أكبر، لأن الإفراط في إصدار النقود قد يحول السياسة النقدية من أداة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي إلى مصدر لاختلالات اقتصادية هيكلية عميقة.

فالاقتصاد لا يصبح أكثر ثراءً بمجرد زيادة كمية النقود المطبوعة والمتداولة، لأن النقود لا تخلق السلع، ولا تبني المصانع، ولا تزيد الإنتاجية، ولا تضيف قيمة اقتصادية جديدة. وإذا أضيفت نقود جديدة إلى الاقتصاد دون أن يقابلها نمو حقيقي في الإنتاج، فإن النتيجة الطبيعية هي زيادة الطلب على كمية ثابتة من السلع والخدمات، فتبدأ الأسعار في الارتفاع، وتتراجع القوة الشرائية للعملة، وتنخفض القيمة الحقيقية للأجور والمدخرات.

وبناءاً علي ما سبق، لا تُقاس سلامة السياسة النقدية بقدرة البنك المركزي على إصدار النقود، لأنها قدرة خادعة، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين نمو عرض النقود ونمو الاقتصاد الحقيقي. فكلما ارتفع معدل إصدار النقود بوتيرة تفوق نمو الناتج المحلي الحقيقي، اتسعت الفجوة بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي، وازدادت الضغوط التضخمية، وتراجعت قدرة العملة على أداء وظائفها الأساسية كمخزن للقيمة ووسيلة مستقرة للتبادل.

وتزداد خطورة هذا المسار عندما تتحول طباعة النقود إلى بديل للإصلاحات المالية والاقتصادية. فبدلاً من معالجة أسباب عجز الموازنة، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الضريبية، قد تلجأ الحكومات إلى التمويل النقدي باعتباره الخيار الأسهل والأسرع. ورغم أن هذا الأسلوب قد يوفر سيولة مؤقتة، فإنه لا يعالج جذور المشكلة، بل يؤجلها ويزيدها تعقيداً، من خلال ترسيخ التضخم، وتشويه أسعار الفائدة، وإضعاف الادخار والاستثمار، وتقويض الثقة في السياسة النقدية.

وتقدم التجربة المصرية مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً في إصدار النقود بمعدلات تجاوزت في كثير من الأحيان معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي بعدة أضعاف. وتشير البيانات إلى أن كمية النقد المصدر منذ بداية انشاء البنك المركزي المصري عام 1957 (قانون رقم 163)، والذي حول البنك الي البنك المركزي الي عام 2011 بنحو 140 مليار جنيه، ومنذ عام 2011 الي مايو 2026 بلغت كمية النقد المصدر خلال تلك الفترة بنحو 1.81 تريليون جنية. اي ان ما تم طباعته خلال ال 15 سنة الأخيرة بلغت نحو 13 ضعف لما تم طباعته خلال 53 سنة. في حين لم يشهد الاقتصاد الحقيقي نمواً مماثلاً. كما تجاوز معدل نمو إصدار النقود في عدد من السنوات نحو ثلة الي عشرة اضعاف معدلات نمو الناتج الحقيقي.

وما سبق ما يعكس اختلالاً واضحاً في العلاقة بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي. وتؤكد العديد من الدراسات العلمية الرصينة الي أن طباعة النقود في مصر لم تكن خياراً نقدياً مستقلاً يستهدف تحقيق استقرار الأسعار، بل جاءت في سياق تمويل عجز مالي مزمن، في ظل محدودية القدرة على تعبئة موارد حقيقية، وسيطرة الاعتبارات السياسية على القرار الاقتصادي. وفي ظل هذه الهيمنة، لم يعد البنك المركزي قادراً على رفض تمويل العجز بشكل مباشر أو غير مباشر، ولم يعد التحكم في عرض النقود هدفاً نهائياً، بل أصبح نتيجة ثانوية لاعتبارات مالية أوسع.

فالمشكلة في الحالة المصرية لا تتمثل في استخدام الإصدار النقدي كإجراء استثنائي لمواجهة أزمة عابرة، وإنما في تحوله، عبر سنوات طويلة، إلى أداة شبه دائمة لتمويل الاختلالات المالية. ومع تكرار هذا النهج، لم تعد طباعة النقود مجرد وسيلة لتوفير السيولة، بل أصبحت مصدراً لسلسلة متراكمة من الاختلالات التي أضعفت كفاءة السياسة النقدية، ورفعت تكلفة الاستقرار الاقتصادي، وقيدت قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.

ولا تقتصر آثار الإفراط في طباعة النقود على ارتفاع التضخم وتراجع القوة الشرائية، بل تمتد إلى إحداث اختلالات هيكلية في الاقتصاد الكلي ومؤسساته، اهمها: (1) تحول دور البنك المركزي من مؤسسة تستهدف استقرار الأسعار إلى مؤسسة تنشغل باحتواء آثار التوسع النقدي، من خلال امتصاص فائض السيولة بتكلفة مرتفعة، بما أضعف فعالية السياسة النقدية. (2) اختلال العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية، حيث تحول الإصدار النقدي من أداة استثنائية إلى وسيلة متكررة لتمويل العجز، وهو ما قيد استقلالية البنك المركزي وأخضع السياسة النقدية لاعتبارات التمويل الحكومي. (3) تشوه هيكل أسعار الفائدة، إذ أصبحت أداة لإدارة فائض السيولة أكثر من كونها معبرة عن توازنات الادخار والاستثمار، بما رفع تكلفة التمويل وأضعف كفاءة تخصيص الموارد. (4) إعادة توجيه السلوك المصرفي بعيداً عن تمويل الأنشطة الإنتاجية، مع تفضيل البنوك توظيف أموالها في أدوات منخفضة المخاطر مثل تمويل الحكومة، الأمر الذي حدّ من الائتمان المنتج وأضعف الاستثمار والنمو. (5) تآكل الانضباط المالي، إذ أدى سهولة اللجوء إلى طباعة النقود إلى تأجيل الإصلاحات المتعلقة بالإيرادات العامة وكفاءة الإنفاق، وتحول السياسة النقدية إلى بديل للإصلاح المالي بدلاً من أن تكون مكملاً له. (6) تزايد مخاطر استدامة ميزانية البنك المركزي، نتيجة تراكم خصوم مرتفعة التكلفة مقابل أصول أقل عائداً، بما يضعف مركزه المالي ويقيد قدرته المستقبلية على إدارة السياسة النقدية. (7) ويبقى الأثر الأشمل هو تقويض الثقة في العملة الوطنية، إذ يؤدي التضخم المتكرر، وفائض السيولة، وتقلبات أسعار الفائدة إلى تزايد الدولرة، وتراجع الادخار بالجنيه، وإضعاف فعالية السياسة النقدية، بما يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق استقرار ونمو مستدامين.

ولعل أهم الدروس التي تؤكدها التجارب الاقتصادية هو ضرورة عدم “إعادة اختراع العجلة”. حيث أثبت التاريخ الاقتصادي أن الأمم لا تبني قوتها بوفرة ما تطبعه من نقود، وإنما بقدرتها على إنتاج الثروة الحقيقية وتعظيم الإنتاجية ورفع كفاءة توظيف رأس المال والعمل والتكنولوجيا. وعندما تنفصل معدلات نمو الكتلة النقدية عن معدلات نمو الاقتصاد الحقيقي، تتحول من محفز للتنمية إلى مصدر لاختلالات هيكلية تتراكم آثارها في التضخم، وتشوه الأسعار النسبية، وإضعاف الاستثمار المنتج، وتآكل الثقة في العملة الوطنية، بما يقيد قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.

ومن ثم، فإن المسؤولية المشتركة للبنك المركزي والحكومة لا تقتصر على احتواء الآثار الآنية للتوسع النقدي، بل تمتد إلى ترسيخ إطار مؤسسي يضمن أن يظل خلق النقود انعكاساً للنشاط الاقتصادي الحقيقي لا بديلاً عنه. حيث لا تكمن المشكلة الحقيقية لطباعة النقود في مصر في آثارها الماضية فحسب، بل في القيود التي ستفرضها على المستقبل. فكل جولة مستقبلية من التوسع النقدي غير المتفق مع الاقتصاد الحقيقي سوف تُقلص هامش المناورة أمام صناع السياسات، وترفع تكلفة التصحيح، وتجعل استعادة الاستقرار الاقتصادي أكثر صعوبة وإيلاماً.

عليه، فإن انضباطالاصدار النقدي لا ينبغي النظر إليه باعتباره هدفاً مستقلاً أو قيداً على النمو، بل باعتباره أحد اهم الشروط المؤسسية الذي لا غنى عنه لتحقيق تنمية مستدامة، وحماية قيمة العملة، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار المنتج، وصناعة الثروة الحقيقية التي تقوم عليها قوة الاقتصادات ورفاهية المجتمعات.

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

مدبولي يوجه بتذليل العقبات أمام تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة

وجه رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، الحكومة اليوم الأحد، بضرورة...

منطقة إعلانية