مقالات

اتفاقية التجارة مع المكسيك قد تقلب الطاولة على الصين

عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب عن الميثاق التجارى مع المكسيك لتحل محل اتفاقية التجارة الحرة فى أمريكا الشمالية (نافتا)، تحول الانتباه فوراً إلى كندا، ولكنَّ الصين، التى لم يذكرها أحد، هى التى ستشعر بأكبر تأثير.
ويبدو أن الولايات المتحدة فى تخليها عن «نافتا» ستتجه إلى منطقة تجارية موحدة قد تضم كندا أيضاً، ويشدد الاتفاق مع المكسيك قواعد المنشأ فى السيارات، وبالتالى ستكون %40 إلى %50 من مكونات السيارات مصنوعة فى شركات محلية يكسب فيها العاملون على الأقل 16 دولاراً فى الساعة، وهو ما يضيق المجال أمام التجميع فى المكسيك بمكونات صينية، ويحابى قطع الغيار الأعلى قيمة من المصنعين الذين يغطيهم الاتفاق.
ومن الواضح أن شرط المنشأ يستهدف الدول التى تستخدم المكسيك إما مكاناً مؤقتاً لتفريغ وإعادة تحميل المكونات أو مركزاً للتجميع. ويقول الإعلان إن «القواعد الجديدة ستساعد على ضمان أن المنتجين الذين يستخدمون قطع غيار ومواد كافية وكثيرة من الولايات المتحدة والمكسيك هم وحدهم من سيتلقون إعفاءات جمركية تفضيلية».
ويبدو أن مسودة الاتفاق كانت تستهدف الصين جزئياً بالنظر إلى أن تنفيذها ينطوى على قبول المنتجين المحليين فقط، ووضع قواعد خاصة لقطاع المنسوجات.
أما الجوانب الأخرى فيبدو أنها تستهدف المخاوف بشأن الصين بشكل مباشر أكثر، فالجزء الخاص بالملكية الفكرية يعالج تعامل المكسيك مع حقوق النشر، لكن البنود بشأن الأسماء المشتركة وحماية العلامة التجارية، تبدو جميعها مشكلات طويلة للولايات المتحدة مع الصين.
وفيما يتعلق بالخدمات الرقمية، تحد مسودة الاتفاق من قدرة الحكومة المكسيكية على «طلب إفصاح مصدر الشفرة وخوارزميات حاسب مقدم الخدمات»، وهو أمر جعلته الصين إجبارياً لكل مقدمى خدمات تكنولوجيا المعلومات بسوقها المحلى، وهذا الجزء يستهدف أيضاً الحظر الذى يطبق على بعض «المنتجات الرقمية التى توزع إلكترونياً» مثل «فيسبوك» و«تويتر».
كما أن بنود البيانات والخدمات المالية تحظر اشتراطات تخزين البيانات محلياً، وكانت بكين على سبيل المثال قد أعلنت أن سجلات التدقيق المحاسبى للشركات الصينية المدرجة فى بورصة نيويورك لن يتم كشفها للمشرعين الأمريكيين.
وإذا كنت لا تزال تشك فى أن الاتفاقية تستهدف الصين، انظر إلى قسم البيئة، اتفقت المكسيك والولايات المتحدة على تجريم «قطع زعانف القروش»، وهى ممارسة قطع زعانف القرش وتركه ليموت، وتعد الصين مستهلكاً كبيراً لزعانف القرش، كما اتفق الجانبان على حظر اصطياد السمك غير المنظم.
ويوجد عاملان مهمان على الساحة الآن، الأول، يبدو أن الولايات المتحدة تستهدف تكوين كتلة تجارية فى أمريكا الشمالية، وليس فقط منطقة تجارة حرة، ومن خلال تحديد قواعد المنشأ واشتراطات الأجور، فهى تحاول تحديد أنواع وكمية العمل فى اتفاقية «نافتا» المعدلة.
والثانى، من خلال استهداف مجالات مثل سوق العمالة والخدمات الرقمية، ويضع الاتفاق مع المكسيك الأساس لما قد تسعى الولايات المتحدة إليه فى الاتفاقات التجارية الأخرى، ويعد الحق فى المساومة الجماعية «حق العامل فى الانضمام لنقابة»، وتعزيز حماية الملكية الفكرية، والوصول إلى السجلات المالية أموراً لا تقلق أمريكا من المكسيك وكندا بقدر ما تقلقها من الصين. وأحد الأمور الأكثر أهمية هى أن اتفاق المكسيك قد يضع أمريكا على مسار تشكيل تحالف ضد الصين، ففى كل مرة أغضب ترامب حلفاءه، شعرت بكين بأنها لا تشكل تهديداً كبيراً وأن بإمكانها تقديم نفسها كالقائد العالمى الجديد فى التجارة الحرة، وإذا استطاعت الحكومة الأمريكية، حالياً، تشكيل تحالف مع كندا، فلن يغير ذلك آليات الصراع التجارة الأمريكى الصينى فحسب، وإنما سيمهد الطريق لاتفاقات مشابهة مع أوروبا. وقد تكون النتيجة مفهوماً مشتركاً جديداً للتجارة الحرة من شأنه عزل الصين، وفى أقل الأحوال، سيجعل التوصل لاتفاق مع بكين أكثر صعوبة.
بقلم: كريستوفر بالدينج

أستاذ مساعد فى كلية «إتش إس بى سى» للأعمال بمدينة شينزن الصينية

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

مشتريات العرب في قطاع العقارات التركي

مشتريات العرب في قطاع العقارات التركي, حيث باعت تركيا أكثر من...