أخبار

الاقتصاد المصري في “مهب الريح”.. كيف نتجنب التقلبات العالمية؟

التقلبات العالمية

كتب: أحمد صبري

نجحت مصر بشكل كبير في تجاوز التبعات الاقتصادية لوباء كورونا، وكان الاقتصاد المصري بين اقتصادات معدودة عالميا في تحقيق نموا اقتصاديا خلال عام الوباء، مدعوما ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي اتبعته الحكومة المصرية مع صندوق النقد بالإضافة للإنفاق الحكومي الكثيف وبالأخص في مشروعات البنية التحتية.

لكن ومع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة لبدء الولايات المتحدة في سياسة التشديد النقدي برفع سعر الفائدة بواقع 0.25%، تأثر الاقتصاد المصري بشكل واضح ليخسر الجنيه قرابة 15% من قيمته في نحو شهر، وصعدت معدلات التضخم لأعلى مستوياتها في نحو 3 سنوات كما انكمش نشاط القطاع الخاص غير النفطي بأكبر وتيرة له خلال 21 شهرا في مارس.

اقرأ أيضا:

التضخم في مارس يرتفع لأعلى مستوياته في 3 سنوات

أداء القطاع الخاص غير النفطي المصري ينخفض لأدنى مستوى في 21 شهرًا

تعتمد مصر والعديد من دول العالم، بشكل ربما لم يكن يتخيله البعض، على كل من روسيا وأوكرانيا، إذ قدرت وكالة فيتش في تقرير حديث أن ثلث السياح القادمين إلى مصر يأتون من البلدين، كما تعتمد مصر عليهما في نحو 80% من ورادات القمح، بالإضافة لزيوت الطعام وغيرها.

مؤخرا، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن “ثلث التضخم في مصر مستورد من الخارج”، ما يُظهر مدى اعتماد أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان على الواردات، فكيف تتجنب مصر التأثر الكبير بالتقلبات الاقتصادية العالمية؟

رهان على الصناعة والزراعة

عالية ممدوح، كبير المحللين الاقتصاديين في بنك الاستثمار بلتون، تراهن على قطاعي الصناعة والزراعة كأحد أهم مصادر الاستثمارات طويلة الأمد التي تساهم في تقليل التداعيات السلبية لأي توترات عالمية، إلا أن ذلك يتطلب حوافز للتصدير وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، فضلًا عن استقرار السياسة الاقتصادية لتكون ذات توجه واضح لفترة زمنية كبيرة: “لا يرغب أي مستثمر في أن يُفاجأ بقرارات كتراجع حاد في قيمة العملة المحلية، إذ يحتاج إلى خطة واضحة لاحتساب الفرصة الاستثمارية بشكل صحيح”.

يتفق منصف مرسى، الرئيس المشارك لقسم البحوث في بنك الاستثمار سى آى كابيتال، وهشام الشبيني، مدير إدارة البحوث بشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، مع عالية ممدوح في الرأي بأن الصناعة والزراعة هما حجر الأساس لتقليل تلك التداعيات.

إلا أن مرسي يرى أنه يجب أيضًا تطوير القطاع الخاص والتوسع في تعميق التصنيع المحلي لزيادة الإنتاج وتقليل الواردات وزيادة الصادرات، وهو ما تتبناه الحكومة حاليًا من خلال إعداد قائمة بـ 131 منتجًا مستوردًا يمكن البدء في تصنيعهم محليًا، بحسب مرسى.

تقدم مصر أيضا دعما ماليا للمُصدرين، لكن كان المصدرون يواجهون مشكلة في تحصيل أموال الدعم من الحكومة حتى أعلنت مصر عن إمكانية للحصول على المستحقات بشكل فوري ولكن بخصم من المستحقات بدأ بـ15%، وتم تخفيضه إلى 8% حاليا.

يضيف مرسي: “تنمية القطاع الخاص تتطلب أيضًا توفر البيئة المناسبة، وهو ما تسعى إليه الحكومة من خلال دراسة إطلاق خريطة استثمارية للقطاع الصناعي، حيث سبق وأن أطلقت الحكومة تجربة مشابهة إلا أنها لم تكن على رأس أولوياتهم بعكس الفترة المقبلة، في ظل التغيرات التي يشهدها الاقتصادين المحلي والعالمي”.

صناعات يُمكن الاعتماد عليها

أبرز الصناعات التي يمكن أن تعتمد عليها مصر على الأجل القريب والمتوسط لتطوير القطاع الصناعي، بحسب هشام الشبيني، هي الغزل والنسيج والملابس الجاهزة والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة والتعدين وصناعة الدواء المرتبطة بالنباتات الطبية، بالإضافة إلى التركيز على القطاع الزراعي لإنتاج الأعلاف وزيوت الطعام.

يضيف الشبيني أن “البنك المركزي يساهم في تطوير تلك الصناعات من خلال التنسيق مع الحكومة بإطلاق مبادرات تمويلية لقطاعات صناعية معينة”، فضلًا عن دور البنك الزراعي المصري بعد التطوير في تنمية القطاع الزراعي بإطلاق مبادرات تمويلية للمشاريع الإنتاجية مثل مشروع “البتلو” لزيادة إنتاجية اللحوم.

أما الصناعات التي تتطلب جهدًا ووقتًا لتحقيق المستهدف منها على المدى البعيد فتتضمن صناعة السيارات والآلات والمعدات، لاحتياجها إلى البحث العلمي وتكنولوجيا تصنيع متقدمة.

هل يمكن الاعتماد على السياحة؟

ترى عالية ممدوح، كبير المحليين الاقتصاديين في بنك الاستثمار بلتون، أن السياحة من أهم مصادر الدخل للحكومة، إلا أنه يجب التنويع وعدم الاعتماد على السياحة الترفيهية فقط والتوسع قي السياحة الدينية والعلاجية وسياحة المؤتمرات من خلال خطة عاجلة على المدى القريب.

“يجب أن نتوسع في جذب سائحين من دول أخرى بخلاف الحالية التي تتمثل في روسيا وأوكرانيا، مثل الصين والدول الأوروبية والآسيوية، إذ أن معدل الإنفاق لدى السائحين الحاليين منخفض ولا يحقق العوائد المنتظرة”، تابعت ممدوح.

يختلف هشام الشبيني ومنصف مرسي مع عالية ممدوح حول ضرورة الاعتماد على القطاع السياحي رغم أهميته الكبرى للاقتصاد، حيث يعتقدان أن تأثر السياحة بالتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية يجعلها عُرضة للتوقف بشكل مفاجئ ما يصعب الحصول على المستهدفات المطلوبة منها.

ما الذي يحدث للجنيه؟

أبدت عالية ممدوح تعجبها من انخفاض سعر الجنيه مقابل الدولار رغم إيداع السعودية 5 مليارات دولار في البنك المركزي المصري واستحواذ صندوق أبو ظبي السيادي على حصص بشركات مصرية بقيمة تناهز الملياري دولار، حيث ترى أنه لا يوجد مبرر لذلك خاصة في ظل عدم فتح البنوك اعتمادات مستندية قد تسمح بهذا الارتفاع في سعر الدولار.

وتوضح: “المنطق يقول إن سعر الجنيه سوف يرتفع أمام الدولار الفترة المقبلة، إذ أن القيمة الحقيقة للدولار تتراوح بين 17 – 17.5 جنيه.. كما أنه من المتوقع ارتفاع سعر الفائدة خلال الاجتماع المقبل للبنك المركزي المصري في ظل توقعات رفع الفائدة في أمريكا لكبح جماح التضخم”.

أما منصف مرسى، الرئيس المشارك لقسم البحوث في بنك الاستثمار سى آى كابيتال، فيرى أنه لا يجب التوقف على تحرك سعر العملة خلال أيام ولكن لفترة أطول، إذ أن الأهم هو التوجه العام، خاصة وأن الحكومة تعمل على توفير السيولة الدولارية من خلال عدة أوجه.

“لا نستطيع الحكم على ارتفاع سعر الجنيه مقابل الدولار قبل الوقوف على شكل الاستثمارات القطرية والسعودية الأخرى وآلية الاتفاق الجديد مع صندوق النقد الدولي ، والأهم ما ستؤول إليه الحرب الروسية الأوكرانية”، قال مرسي.

يعتقد مرسي أنه إذا لم تشهد الحرب تغيرات إيجابية “سيزداد الضغط على الأسواق الناشئة وعملاتها المحلية ومن ثم سيرتفع التضخم”.

دور الأموال الساخنة

تقول عالية ممدوح إن الاستثمارات غير المباشرة والتدفقات الدولارية غير المستدامة مثل الأموال الساخنة، ساهمت في انخفاض الاحتياطي النقدي لمصر: “تنعم الدول النامية بسنوات سعيدة طوال تواجد تلك الأموال بها ولكن عند خروجها المفاجئ جراء أي تغيرات عالمية تصاب الدولة بحالة من التوتر وتؤثر على سعر العملة المحلية”.

اقرأ أيضا:

“الأموال الساخنة”.. بين الفائدة الأمريكية وتقلّبات الجنيه

أما هشام الشبيني، مدير إدارة البحوث بشركة مباشر لتداول الأوراق المالية، فيقول إنه لتجنب الآثار السلبية للأموال الساخنة عند الخروج المفاجئ من بعض الدول النامية، كان يُفرض عليها ضرائب بنسبة معينة أو أن تظل لفترة زمنية معينة داخل الاقتصاد، وذلك كما فعلت تايلاند عام 2006 عندما اشترطت على الاستثمارات الاجنبية غير المباشرة وضع 30% منها في صورة وديعة لمدة سنة بدون فائدة.

كما تتدخل بعض الدول النامية في سوق الصرف لمنع سعر عملتها من الارتفاع عن قيمته العادلة في حالة زيادة التدفقات الأجنبية من الاستثمارات غير المباشرة لديها، بحسب هشام الشبيني، والذي يرى أن مشكلة تلك النوعية من الأموال عندما تكون الدولة النامية مضطرة للاعتماد عليها ولو بشكل جزئي كأحد مصادر النقد الأجنبي.

ولا يَعتبر منصف مرسى، الاستثمارات الإماراتية من خلال صندوق أبو ظبي السيادي أموالًا ساخنة بل استثمارات غير مباشرة، كوْن الصندوق لا يخطط للخروج السريع من تلك الشركات في ظل نجاحها، حيث يعتقد أنه من المهم النظر إلى تاريخ المشتري قبل الحكم على نوعية الاستثمارات.

حلول لتقليل التداعيات السلبية

عالية ممدوح، تقول إن أحد أهم الحلول لتقيل تداعيات التغيرات العالمية على الاقتصاد المصري هو زيادة المصادر المستدامة من العملة الأجنبية، بدلًا من الاعتماد على الاستثمارات غير المباشرة كأدوات الدين وبيع حصص بشركات مُدرجة بالبورصة، حيث يعدان مسكنًا لعبور الأزمة الحالية وليس كحل على المدى البعيد.

استيراد معظم احتياجات مصر من المواد الخام والسلع الوسيطة في ظل تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية جعلها عُرضة لحدوث مشكلات حال نقصها أو ارتفاع الأسعار، وهو ما أكدت عليه ممدوح في حديثها، ما يؤثر على مستويات التضخم وأداء الموازنة ومدى توفر العملة الأجنبية.

وتوضح أن المشكلة التي تواجه مصر أن مصادر توفر العملة الأجنبية تعتمد على أداء الاقتصاد العالمي كتخارج أدوات الدين والسياحة التي تتأثر بأي تغيرات عالمية، ولذلك يجب التركيز على زيادة قيمة الصادرات وتقليل الواردات وجذب استثمارات أجنبية مباشرة.

أما هشام الشبيني، فيرى أن تخفيف الآثار السلبية التي تطول الدول النامية جراء الأزمات العالمية ومنها مصر، يمكن أن يتم من خلال اتباع سياسة سعر صرف مرنة ووضع قيود للحد من التدفقات المالية الأجنبية قصيرة الأجل “الأموال الساخنة” في حالة لم تكن الدولة مضطرة لها كمصدر للنقد الأجنبي.

“ما يؤثر على سعر الصرف بشكل إيجابي هو جذب استثمارات أجنبية مباشرة وتحسين أوضاع ميزان الحساب الجاري، والذي يشتمل على الميزان التجاري للصادرات والواردات كأحد أبرز مصادره، بالإضافة إلى تحويلات العاملين في الخارج والسياحة وإيرادات قناة السويس”، يقول هشام الشبيني.

ويوضح أن مصر من أبرز الدول النامية التي تضررت من الحرب الروسية الأوكرانية، لأن ثلث أعداد السائحين إلى مصر سنويًا من روسيا وأوكرانيا، و80% من واردات مصر من القمح من نفس الدولتين، وهنا أصبحت مصر تعاني من أزمة مضاعفة بسبب العلاقات التجارية التي تجمعها معهم، كما أن تخارج الأجانب من الاستثمار في أدوات الدين الفترة الماضية، ليس فقط بسبب الحرب ولكن كجزء من موجة تخارج عالمية من الدول النامية لبدء رفع الفائدة في الدول المتقدمة بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

منطقة إعلانية