مقالات

موجة الصعود فى أسعار البترول انتهت

يستعد السوق حاليا للمزيد من الهبوط نظرا لأن العودة الباردة إلى الأسس الاقتصادية حلت محل الحماسة والتكهنات التى أدت إلى صعود الأسعار
بعد ثلاثة أشهر من الارتفاع المتواصل فى أسعار البترول انقلب السوق وتنتهى حماسة الربيع، وفى يوم واحد الأسبوع الماضى، تراجع سعر خام البرنت بنسبة %2.5، فى حين هبط خام غرب تكساس الوسيط بنسبة %4.5.
ويستعد السوق حاليا للمزيد من الهبوط نظرا لأن العودة الباردة إلى الأسس الاقتصادية حلت محل الحماسة والتكهنات التى أدت إلى صعود الأسعار.
وإذا كان هناك أحد فى كوكب المريخ يراقب سوق البترول من الفضاء الخارجى خلال الشهور القليلة الماضية، فسوف يلاحظ أمرا بارزا، وهو أنه لا يوجد نقص فى المعروض، ولا توجد اختلالات فى العرض والطلب، وأى نقص فى الإنتاج من أماكن مثل فنزويلا، تم تغطيتها بسهولة من أماكن أخرى، مثل الولايات المتحدة التى يواصل الإنتاج فيها النمو على أساس شهرى بفضل ثورة الغاز الصخري.
وقادت السياسة الارتفاع فى الأسعار، ووصل بعض المتداولين إلى استنتاج بأن الإمدادت سوف تتوقف بسبب حرب فى الشرق الأوسط بين السعودية وإيران أو إيران وإسرائيل، وهو ما عززته الخطابات من الجانبين وتنصل الرئيس، دونالد ترامب، من اتفاق سلفه مع إيران بشأن طموحها النووي، وبدأ المتداولون يتكهنون بأن ما فكروا فيه قد يحدث وارتفعت الأسعار.
وبالتأكيد ستكون حرب أخرى فى الشرق الأوسط مدمرة ولكن هل من الممكن نشوبها فعليا؟ ستواصل إسرائيل استخدام تفوقها العسكرى للحد من التهديد الذى تفرضه نشاطات إيران فى سوريا ولبنان ولكن هذا امر مختلف كليا عن اندلاع صراع كامل؟
ويعد ترامب رئيس غير تقليدى ولكن لا أعتقد أنه سوف يأخذ امريكا إلى حرب أخرى فى الشرق الأوسط، فهو يريد أن تستسلم إيران وتقدم تنازلات كبيرة، وأكبر تهديد يوجهه لها حاليا هو المزيد من العقوبات التى ستضر بإيران والشركات الغربية العاملة هناك، ولكن هل يظن أحد بجدية أن روسيا والصين والهند سوف تلتزم بالعقوبات وتتوقف عن شراء البترول الإيراني؟ لم تقم أى دولة منها بذلك مسبقا ولا يوجد سبب واضح يدفعها للقيام بذلك الآن.
وسبقت التكهنات الواقع، وفى نفس الوقت سار الواقع فى الاتجاه المعاكس، وساعد الارتفاع فى الأسعار على زيادة الإنتاج على الأقل فى الولايات المتحدة، وقام المنتجون حول العالم برفع الإنتاج للاستفادة من ارتفاع الأسعار لاعتقادهم بأنه صعود مؤقت.
وقررت الأوبك، خاصة السعودية، أن ارتفاع الأسعار ذهب بعيدا للغاية، وبدأوا الأسبوع الماضى يشيرون إلى أنهم لا يريدون أن يروا ارتفاع أسعار البترول إلى مرحلة تخنق الطلب.
وعلى جانب المعروض، هناك المزيد من الإنتاج قادما العام الجارى من العراق والولايات المتحدة وكان الارتفاع التدريجى المستمر فى الطلب متواضعا حتى الآن بسبب الارتفاع فى الأسعار فى الآونة الأخيرة، وبالتالي، لا يزال العرض والطلب متوازنا.
وبما أنه لا يوجد أى نقص ملموس فى المعروض، فإن الأسعار لن تذهب إلى 100 دولار للبرميل كما توقع بعض المراقبين، وإنما على الأرجح ستتراجع تجاه 50 دولارا للبرميل، وعند هذا المستوى يكون بعض الإنتاج الصخرى الأمريكى غير اقتصاديا، وإذا تراجعت الأسعار بحدة، فسوف يحاول السعوديون وغيرهم إعادة تحديد حصصهم الإنتاجية وبذلك، فإن الرهان على مستوى 50 إلى 60 دولارا للبرميل يبدو معقولا.
ويتوافق هذا المستوى السعرى – وليس من قبيل الصدفة – مع توقعات الكثير من شركات البترول الكبيرة التى لم تعتنق التكهنات التى راجت مؤخرا وواصلت التخطيط على سعر أساسى عند حوالى 50 دولارا للبرميل، وتمتعوا بالارتفاع فى الأسعار ولكن واصلوا التركيز على التحكم فى التكاليف وضبط النفس بشأن الاستثمارات الجديدة.
والخاسرون فى ذلك هم صناديق التحوط التى نجحت فى إقناع نفسها بأنها فهمت السوق أفضل من المحترفين، واحترقت أصابعها بشدة ولكن لا شك أنها سوف تلعق جراحها ثم تعود مجددا محاولة افتراض تراجع الأسعار إلى مستوى 5 دولارات لبرميل أو أى مستوى غير منطقى آخر، وبالتالى يصعب الشعور بالأسى من أجلهم.
بقلم: نيك بوتلر
 أستاذ زائر ورئيس معهد «كينجز» للسياسة فى جامعة «كينجز» بلندن
الأكثر مشاهدة

أسعار البترول ترسم مستقبل السياسة النقدية للبنوك المركزية الإفريقية

قالت وكالة أنباء «بلومبرج» إن انخفاض أسعار البترول يجبر البنوك...

كم يخسر العالم من التفرقة بين دخول الرجل والمرأة؟

حذر البنك الدولي من ارتفاع خسائر الدول الاقتصادية بسبب التفرقة...